راسلنى على الياهوazizamar2014@yahoo.com
Loading

الأربعاء، 5 مايو، 2010

0 نحو نظام قانونى متكامل لعوارض الاهلية

Print Friendly and PDF
إعداد الباحث :
أحمــد جــاد محمود زقزوق
clip_image002 كلية الحقوق
جــــامعة المنصورة
قـسم الدراسات العليا
دبـلوم القـــانون الخـــاص
clip_image003 لعــام 2008/2009
clip_image004
بحث في
clip_image001
( دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية )
إشراف الدكتور
ثروت عبد الحميد
إعداد الباحث :
أحمــد جــاد محمود زقزوق
تمهيد وتقسيم :
الأهلية في اللغة هي الصلاحية : يقال فلان أهل لعمل كذا أي صالح للقيام به أما
عند الأصوليين فهي صلاحية الشخص لصدور الأفعال منه على وجه يعتد به شرعاً (1)وتنقسم الأهلية عند الأصوليين إلى قســمان : أهلية وجوب وأهلية أداء
أهلية الوجوب : هي صلاحية الشخص لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات وأثاث ثبوتها هو وجود الحياة فهي ثابتة لكل إنسان باعتباره إنساناً من حيث بدء تكوينه جنيناً إلى الموت .
أهلية الأداء : هي صلاحية الشخص لصدور الأفعال منه على وجه يعتد به شرعاً وأساس ثبوت هذه الأهلية هو التميز لا الحياة كما في أهلية الوجوب فلا تثبت للإنسان وهو جنين في بطن أمه ولا تثبت له حال ولادته وإنما تثبت له إذا بلغ سن التميز .
وقد اصطلح على تسمية ما يؤثر على تميز الشخص وحسن تدبيره للأمور ومباشرة تصرفاته القانونية بنفسه باسم عوارض الأهلية ومثالها الجنون والعته والسفه والغفلة ، والأهلية في الفقه الإسلامي هي صلاحية الشخص لصدور الأفعال منه على وجه يعتد به شرعاً وتُعَرف الأهلية أيضا بأنها صفة يقدرها الشارع في الشخص تجعله محلاً لخطاب تشريعي(2) ويعد من عوارض الأهلية في الفقه الإسلامي الجنون والعته والإغماء والنوم ومرض الموت والرق والسكر والسفه(3) وبالرغم من استخدام نفس المصطلحات أو الأسماء بالنسبة لبعض عوارض الأهلية إلا أن هناك خلافاً في إعطاء الحكم بالنسبة لأحد العوارض فيما بين القوانين(4) ويمكن القول أيضا بأن القوانين المدنية لا تتمكن من تغطية بعض التصرفات بموجب أحكام عوارض الأهلية بالرغم من تساوى أصحاب هذه التصرفات مع من يشوب أهليتهم عارض من عوارض الأهلية كما هو الحال بالنسبة لحالة السكر التي لا تعتبر عارضاً من عوارض الأهلية رغم أن الفقه الإسلامي يعتبرها كذالك ومقتضى هذا القول يدل على أن هناك غموضاً في المعيار الذي يحدد بناء عليه أو يسمى بناء عليه أحد العوارض وقصورًا كذلك في التنظيم القانوني لعوارض الأهلية في القانون المدني .
لأن العدالة في إعطاء الحكم للتصرفات القانونية بناء على أحوال المتصرف تقتضى تغطية كل ما من شأنه إذهـاب العقل أو إفساد التدبير وحسن الاختيار وقد يكون هناك أيضا غياب لمفهوم واضح لعوارض الأهلية ومعيارها مما أدى إلى إدراج بعض حالات الحجر تحت اسم عوارض الأهلية كالحجر على المدين المفلس رغم أن هذا المدين لم تتأثر قدرته العقلية بشيء !! كل هذا يستدعى منا النظر في النظام القانوني لعوارض الأهلية في القانون المقارن .
خلاصة القول أن القانون عادة وفى مختلف النظم القانونية يعتد بعدد محدود من عوارض الأهلية ( الجنون والعته والغفلة والسفه ) والتدقيق في هذه العوارض ومقارنتها مع ما هو موجود في الشريعة الإسلامية يتضح لنا عدم كفاية هذه العوارض وعدم شموليتها ومثال ذلك : السكر الذي ليس لصاحبه يد فيه والذي يُذهب العقل كيف يتصرف صاحبه رغم أنه يتعرض للخسارة ؟ من أجل ذلك كان لابد من التفكير بمعايير أخرى لتحديد عوارض الأهلية بموجبها بحيث يمكن من خلالها الوقوف في وجه أي تصرف غير عـادل لأي عارض كان ومن أجل ذلك كان هذا البحث الذي نقسم الدراسة فيه إلى ثلاثة مباحث فنبدأ أولاً ببيان الأهلية وعوارضها في كل من الأنظمة القانونية والفقه الإسلامي لبيان أوجه الخلاف وبعد أن حررنا موضع الخـلاف ننتقل لبيانه تفصيلاً من خلال بيـان عيوب النظام القانوني لعوارض الأهلية ثم ننتقل بعد ذلك لبيان الأساس القانوني لعوارض الأهلية والذي بناء عليه يعتد بعوارض الأهلية لغايات استخلاص الحل واقتراح النظام البديل وسوف تكون خطة البحث كما يلي :
المبحث التمهيدي
(المقصود بالأهلية وعوارضها)
وينقسم هذا المبحث إلى مطلبين :
المطلب الأول : عوارض الأهلية في القانون المدني المصري
المطلب الثاني : دراسة مقارنة لعوارض الأهلية في الفقه الإسلامي والقوانين المدنية
المبحث الأول
(مدى كفاية النظام القانوني الحالي لعوارض الأهلية )
وينقسم هذا المبحث إلى مطلبين :
المطلب الأول : غموض معايير عوارض الأهلية
المطلب الثاني : قصور القوانين المدنية في معالجة عوارض الأهلية مقارنة بأحكام الشريعة الإسلامية
المبحث الثاني
( منظور مستقبلي لنظام متكامل لعوارض الأهلية )
وينقسم هذا المبحث إلى مطلبين :
المطلب الأول : المعايير التي تحدد بناء عليها عوارض الأهلية
المطلب الثاني : النظام المعياري المقترح
ثم الخاتمة وتشمل ما خلصنا إليه من نتائج
المبحث التمهيدي
clip_image006
ذكرنا أن الأهلية قد يقصد بها أهلية الوجوب وقد يقصد بها أهلية الأداء وذكرنا أن أهلية الوجوب ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالشخص فهي تثبت للشخص بمجرد ولادته أما أهلية الأداء فهي قدرة الشخص على مباشرة التصرفات القانونية لحساب نفسه مؤدى ذلك أن أهلية الأداء تتدرج مع تدرج الإنسان في التمييز حسب السن أو العمر كما أنها تتأثر بعوارض التمييز التي قد تعدم قدرة الشخص في الإدراك أو تنقص منها فقد يصاب الشخص بعد بلوغه سن الرشد بعارض من عوارض الأهلية فما تأثير هذه العوارض على أهليته ؟ للإجابة على هذه التساؤل نوضح عوارض الأهلية في القانون المدني المصري ثم نقوم بعمل دراسة مقارنة لعوارض الأهلية في الفقه الإسلامي والقوانين المدنية بغرض الوصول إلى مدى كفاية النظام القانوني لعوارض الأهلية من عدمه لذا يشتمل هذا المبحث على مطلبين:
المطلب الأول : عوارض الأهلية في القانون المدني المصري
المطلب الثاني : دراسة مقارنة لعوارض الأهلية في الفقه الإسلامي والقوانين المدنية
clip_image007 المطلب الأول
جاء بالمادة 113 من القانون المدني المصري أن :
(المجنون والمعتوه وذو الغفلة والسفيه تحجر عليهم المحكمة وترفع الحجر عنهم وفقاً للقواعد والإجراءات المقررة في القانون ) والقانون المشار إليه هنا هو القانون رقم 119لسـنة 1952 المتعلق بالولاية على المال وقد قضت المادة 66 من هذا القانون أنه :"يحكم بالحجر على البالغ للجنون أو للعته أو للسفه أو للغفلة ولا يرفع الحجر إلا بحكم "
من خلال هذين النصين نجد أن عوارض الأهلية قسمـان : الجنون والعته ؛ والسفه والغفلة لذا نقسم هذا المطلب لفرعين :
( الفرع الأول : الجنون والعته)
يعرف الجنون بأنه مرض عقلي يصيب الشخص فيعدمه الإدراك والتميز(1)
ويعرف العته بأنه اختلال في الشعور يؤدى إلى قلة الفهم واختلاط الكلام وفساد التدبير(2) على أن البعض يرى أن العته هو فقدان العقل بغير جنون :"فهو نقصـان العقل واختلاله لا زواله بالكلية كالجنون "(3) والجنون والعته يؤديان إلى فقد التمييز أخذاً من نص المادة 45 من القانون المدني التي تقضى بأنه لا يكون أهلا لمباشرة حقوقه المدنية من كان فاقد التمييز لصغر في السن أو عته أو جنون.
وقد عرفت محكمة النقض المصرية العته بأنه (1)" آفة تصيب العقل فتعيبه وتنقص من كماله والمرجع في ذلك وعلى ما أوردته المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون رقم 119لسـنة 1952الخاص بأحكام الولاية على المال- هو خبرة المختصين في الآفات العقلية وشواهد الحال إذا كان ذلك وكان ما يعنى محكمة الولاية على المال وهى بسبيل بحث طلب الحجر هو التحقق من قيام عارض من عوارض الأهلية يستوجبه وفى نسبة العته إلى شخص بعينه تنحصر مهمتها في تمحيص مدى تأثير هذا المرض على أهليته بما لا يمكنه معه من أن يستبين وجه المصلحة فيما يبرمه من تصرفات وفى إدارته لأمواله وفى فهمه للمسائل المالية الخاصة به وهى في هذا الشأن لها مطلق الحرية في تقدير قيام حالة العته باعتبارها تتعلق بفهم الواقع في الدعوى فلا تخضع في قضائها هذا لرقابة محكمة النقض متى كان استخلاصها سـائغاً "(2) .
حكم تصرفات المجنون والمعتوه :
لقد ساوى المشرع المصري في الحكم بين المجنون والمعتوه إذ اعتبرهما من عديمي الأهلية فنصت المادة 45/1 من التقنين المدني على أنه (( لا يكون أهلاً لمباشرة حقوقه المدنية من كان فاقد التمييز لصغر في السن أو عته أو جنون ))(3) .
وحيث أن كلا من المجنون والمعتوه يكون عديم الأهلية فيجب الحجر عليهما وفقاً للقانون(4) والقانون المختص بذلك هو قانون الولاية على المال وقد نصت المادة 65 منه بأنه " يحكم بالحجر على البالغ للجنون أو العته .... ولا يرفع الحجر إلا بحكم " فالمجنون والمعتوه تحجر عليهما المحكمة وتنصب لكل منهما قيماً إلا إذا كانت حالة الجنون أو العته كانت قد بانت قبل انتهاء الولاية أو الوصاية بالبلوغ فإنه يجوز الحكم عندئذ باستمرار الولاية والوصاية لما بعد البلوغ أما متى انتهت الولاية أو الوصاية لبلوغ القاصر سن الرشد فلا تعود إذا قام به سبب من أسباب الحجر بل يجب عندئذ صدور الحكم بالحجر من الحكمة وتقوم بتعيين قيم على المجنون والمعتوه(5) ومتى صدر الحكم بالحجر للجنون أو العته فلا تعود للشخص الأهلية الكاملة إلا إذا صدر حكم أخر برفع الحجر عنه .
ولقد تكفلت ببيـان حكم تصرفات المجنون والمعتوه المادة 114 من التقنين المدني إذ تنص على ما يأتي :
1. ( يقع باطلاً تصرف المجنون والمعتوه إذا صدر التصرف بعد تسجيل قرار الحجر )".
2. ( أما إذا صدر التصرف قبل قرار الحجر فلا يكون باطلاً إلا إذا كانت حالة الجنون أو العته شائعة وقت التعاقد أو كان الطرف الآخر على بينة منها )".
يبدوا جلياً من هذا النص أنه لمعرفة حكم تصرفات المجنون والمعتوه يجب التمييز بين ما يُبرم منها بعد تسجيل القرار الصادر من المحكمة بتوقيع الحجر عليه وبين التصرفات الصادرة قبل هذا القرار .
من ناحية أولى : فإن تصرفات المجنون أو المعتوه المبرمة بعد تسجيل قرار الحجر تعتبر باطلة بطلاناً مطلقاً وفى جميع الأحوال يستوي في ذلك التصرفات النافعة نفعاً محضاً والدائرة بين النفع والضرر وقد قررت المادة 1028من قانون المرافعات أنه يترتب على تسجيل طلب تقرير الحجر ما يترتب على تسجيل القرار الصادر بتقريره في تطبيق أحكام القانون المدني وهذا يعنى أن تصرفات من تقرر الحجر عليه لجنون أو عته إذا صدرت بعد تسجيل طلب الحجر المقدم للمحكمة كان حكمها حكم التصرفات الصادرة بعد تسجيل القرار الصادر بالحجر .
وإذا ما حكم على شخص بالحجر لجنون أو عته ظلت جميع تصرفاته باطلة إلى حين الحكم برفع الحجر عنه حتى لو عاد إليه الرشد من قبل وهى تبطل دون الحاجة إلى إثبات انعدام التمييز فقرار الحجر يؤدى إلى انعدام الأهلية ولا يجوز نقض أثره هنا إلا بحكم رفع الحجر(1).
من ناحية أخرى فإن الأصل هو أن تكون التصرفات الصادرة قبل تسجيل قرار الحجر صحيحة ما دامت حالة الجنون أو العته شـائعة وغير معروفة من الطرف الآخر وقد كان مقتضى القواعد العامة التي تقيم صحة التصرف على التمييز وتبطله إذا انعدم أن تعتبر التصرفات التي يثبت صدورها في حالة الجنون أو العته باطلة لانعدام التمييز والإرادة وهذا فعلاً ما قضت به المحاكم المصرية قبل صدور التقنين المدني الجديد حيث كانت تقضى ببطلان العقد إذا ثبت صدوره مع قيام حالة الجنون أو العته ولو قبل توقيع الحجر تأسيساً على انعدام إرادة المتصرف وقت التعاقد(2) وقد خرج القانون المدني الجديد على هذا القضاء وذلك مراعاة منه للمتعاقد حسن النية وفى هذا المعنى تقول محكمة النقض المصرية " بأن المادة 114من القانون المدني الحالي أتت بحكم جديد لم يكن معقوداً في القانون القديم إذ استلزمت لبطلان تصرفات المجنون والمعتوه قبل تسجيل قرار الحجر أن تكون حالة الجنون أو العته شائعة أو يكون المتصرف على بينة منها ولم تكتف لبطلان هذه التصرفات بمجرد قيـام حالة الجنون أو العته بالمتصرف وقت صدورها كما كان الحال في القانون الملغى(3)بمعنى أخر فإن المشرع المصري في القانون الجديد اكتفى بوضع قرينتين ؛ متى توافرت إحداههما كان المتصرف إليه سيء النية وهما أن تكون حالة جنون أو عته المتصرف شـائعة أو أن يكون المتصرف إليه على علم بذلك ولو لم تكن شـائعة .
وعلى هذا فحتى يمكن إبطال التصرفات الصادرة قبل تسجيل قرار الحجر (المجنون أو العته) يجب إثبات أحد أمرين:
الأول : أن تكون حالة الجنون أو العته شائعة وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن ثبوت شيوع حالة العته عن المحجور عليه يكفى لإبطال البيع الصادر منه طبقاً للمادة 114من القانون المدني ويغنى عن إثبات علم المشترى بهذه الحالة لأن هذه المادة لا تتطلب اجتماع الأمرين معاً وإنما تكتفي بتحقق أحدهما(4) .
الثاني : أن يكون المتصرف إليه عالماً بحالة الجنون أو العته لدى المتصرف ولو لم تكن هذه الحالة شائعة .
وفى هذا المعنى قضت محكمة النقض بأن "عدم صدور قرار بالحجر على المجنون أو المعتوه لسبب أو لأخر لا يعنى أن تكون تصرفات المجنون أو المعتوه صحيحة إذ الأصل أنه يجب أن يصدر التصرف عن إرادة سليمة والا انهار ركن من أركان التصرف بما يمكن معه الطعن عليه ببطلانه إذا ما ثبت علم المتصرف إليه بحالة الجنون أو العته المعدم للتمييز لحظة إبرام التصرف أخذاً بأن الإرادة تعتبر ركناً من أركان التصرف القانوني(1) .
ومتى ثبت توافر أمر من هذين الأمرين حكم ببطلان تصرف المجنون أو المعتوه كما لو كان التصرف قد صدر بعد تسجيل قرار الحجر ولهذا فقد قضت محكمة النقض "العته يعدم إرادة من يصاب به فتقع تصرفاته باطلة من وقت ثبوته ولذلك لا يتطلب بطلانها توافر التحايل على القانون أو الغش أو التواطؤ بين المعتوه والمتصرف إليه كما هو الحال بالنسبة للمحجور عليه للسفه إذا ما أريد إبطال تصرفاته السابقة على قرار الحجر عليه ؛ كما أن هذا البطلان لا يكون نتيجة لانسحاب أثر قرار الحجر على الماضي وإنما لثبوت حالة العته المعدم لإرادة المعتوه وقت صدور التصرف منه(2).
أما إذا لم يثبت توافر احدي الحالتين السابقتين – شيوع حالة الجنون أو العته أو علم الطرف الأخر بها – فلا يمكن إبطال التصرف مادام قد أبرم قبل تسجيل طلب الحجر على المجنون أو المعتوه.
أخيراً فتجدر الإشارة إلى أن قيام حالة العته أو الجنون عند أحد المتعاقدين مما يتعلق بفهم الواقع في الدعوى فيفصل فيه قاضى الموضوع دون خضوع في ذلك لرقابة محكمة النقض(3)وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن المحكمة هي التي تحدد الوصف القانوني للحالة المرضية للشخص وكونه مجنوناً أو معتوهاً أو سليم عقلياً وأن الطبيب ليس هو الذي يعطى هذا الوصف بل الشأن في ذلك للقضاء في ضوء ما يبديه الطبيب(4).
( الفرع الثاني :السفه والغفلة)
تنص المادة 46من القانون المدني المصري على أن " كل من بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد ؛ وكل من يبلغ سن الرشد وكان سفيهاً أو ذا غفلة يكون ناقص الأهلية وفقاً لما يقرره القانون" وهكذا فإن السفه والغفلة يعدان من أسباب نقص الأهلية فإنهما وإن لم يعدما التمييز كما هو شأن الجنون والعته فإنهما ينقصان من تمامه والقانون المنظم لأحكامهما هو قانون الولاية على المال فما هو المقصود بالسفه والغفلة وما حكم تصرفهما هذا ما نحاول الإجابة عليه في هذا الفرع :
أولاً: المقصود بالسفه والغفلة
السفه: يقصد بالسفه في اصطلاح القانون" الجهل بحفظ المال وتدبيره مما يؤدى إلى الإسراف فيه وتبذيره في غير مقتض" وقد أشارت إلى هذا التعريف محكمة النقض المصرية بتقريرها أن السفه "هو إنفاق المال على غير مقتضى الشرع والعقل"(1) ونتيجة لذلك لا يعد سفهاً " تصرف الإنسان في كل ما يملك لزوجته وأولاده الصغار سواء كان هذا التصرف بعوض أو بغير عوض لأن هذا التصرف لا مخالفة فيه لمقتضى الشرع والعقل بل هو تصرف تمليه الرغبة في تأمين مستقبل الزوجة والصغار الذين يرعاهم وليس من شان هذا التصرف إتلاف المال في مفسدة(2).
خلاصة القول أن السفه هو ذلك الإسراف والتبذير في المال وإتلافه بطريقة لا يقرها عقلاء الناس ولا تتفق مع ما يقضى به الشرع من حسن التدبير وتصرف الشخص على هذا النحو يعد دليلاً وقرينة على خفة لديه أي على عدم سيطرته الكاملة على قواه العقلية .
الغفلة: هي عدم الاهتداء إلى التصرفات الرابحة بسبب البساطة وسلامة القلب فذو الغفلة هو من يغبن في المعاملات لسلامة نيته(3)وقد عرفته محكمة النقض المصرية بأنها " ضعف بعض الملكات الضابطة في النفس ترد على حسن الإدارة والتقدير ويترتب على قيامهـا بالشخص أن يغبن في معاملاته مع الغير(4)وقد أوضحت كذلك أن " الغفلة لا تخل بالعقل من الناحية الطبيعية وإنما تنقص من قوة ملكات نفسية أخرى أحقها الإدارة وحسن التقدير(5).
ولكن كيف يستدل على وجود حالة الغفلة لدى الشخص ؟
يستدل عليها من إقبال الشخص على التصرفات دون أن يهتدي إلى الرابح فيها أو بقبوله فاحش الغبن في تصرفاته عادة أو بأيسر وسائل الخداع على وجه يهدد المال بخطر الضيـاع ومن ناحية أخرى ليس هناك ثمة ما يمنع من أن تستمد محكمة الموضوع الدليل على الغفلة إثباتاً ونفياً من أقوال المطلوب الحجر عليه في التحقيقات ومن مناقشتها له فإذا ما كشفت هذه الأقوال عن سلامة الإدراك والتقدير أمكن الاستدلال بها على انتفاء حالة الغفلة دون أن يأخذ على هذا الاستدلال الخطأ في مفهومها أو في تطبيق هذا المفهوم(6) .
وعلى هذا فالحكمة من توقيع الحجر على الشخص بسبب الغفلة هي المحافظة على مال المحجور عليه حتى لا يصبح عالة على المجتمع وكذلك المحافظة على مصالح الأسرة وغيرها من المصالح المشروعة كمصالح الدائنين وهى نفس الحكمة التي تبرر الحجر على السفيه ذلك أن السفه والغفلة يشتركان بوجه عام في معنى واحد هو ضعف بعض الملكات الضابطة في النفس إلا أن الصفة المميزة للسفه هي أنها تعترى الإنسان فتحمله على تبذير المال وإتلافه على خلاف مقتضى العقل والشرع أما الغفلة فإنها تعتبر صورة من صور ضعف بعض الملكات النفسية ترد على حسن الادراة والتقدير (1)وتقيم المحكمة على من يحجر عليه لسفه أو غفلة قيماً لإدارة أمواله.
ثانياً : حكم تصرفات السفيه وذي الغفلة
بعد أن أوضحت المادة 46 من القانون المدني أن السفيه وذي الغفلة يكون كل منهما ناقص الأهلية تكفلت المادة 115مدنى ببيـان حكم تصرفاتهم وذلك بنصها على أنه :
1. إذا صدر تصرف من ذي الغفلة أو من السفيه بعد تسجيل قرار الحجر ؛ سرى على هذا التصرف ما يسرى على تصرفات الصبي المميز من أحكام .
2. أما التصرف الصادر قبل تسجيل قرار الحجر فلا يكون باطلاً أو قابلاً للإبطال إلا إذا كان نتيجة استغلال أو تواطؤ.
من هذا النص ترى أن حكم تصرفات السفيه وذي الغفلة هو حكم تصرفات الصبي المميز فله أهلية اغتناء كاملة إذ يستطيع أن يبرم التصرفات النافعة نفعاً محضاً أما التصرفات الضارة ضرراً محضاً فيعد عديم الأهلية بالنسبة لها لهذا فهي تقع باطلة بطلاناً مطلقاً أما التصرفات الدائرة بين النفع والضرر فهي قابلة للإبطال بحكم يصدر بناء على طلب القيم أو السفيه أو ذي الغفلة بعد رفع الحجر عنهما .
وقد قضت محكمة النقض بأنه لما كان عقد البيع من التصرفات المالية الدائرة بين النفع والضرر على أساس أنه تترتب عليه حقوق والتزامات متقابلة فانه طبقاً للمادتين 115/1و 111/2 من القانون المدني يكون التصرف بالبيع الصادر من المحجور عليه للغفلة أو للسفه قابل للإبطال لمصلحته ويزول حق التمسك بالإبطال إذا أجاز المحجور عليه التصرف بعد رفع الحجر عنه أو إذا صدرت الإجازة من القيم أو من المحكمة بحسب الأحوال وفقاً للقانون(2) ولكن بطلان تصرفات السفيه وذي الغفلة أو قابليتها للإبطال لا يقع بدون تمييز بل يجب التفرقة بين التصرفات التي تقع بعد تسجيل قرار الحجر وتلك التي تصدر قبل تسجيل قرار الحجر :
· التصرفات الصادرة بعد تسجيل قرار الحجر
القاعدة العامة :من المقرر أن السفه والغفلة عارضان طارئان وذلك خلافاً للأصل من اكتمال الأهلية ببلوغ سن الرشد ولهذا فان أثرهما في الانتقاص من الأهلية لا يتحقق من حيث المبدأ إلا بقرار يصدر من المحكمة بتوقيع الحجر على السفيه أو ذي الغفلة وتنصيب قيم على أي منهما(3.)
يضاف إلى ذلك أنه وفقاً لنص المادة 1028من قانون المرافعات ؛ يترتب على تسجيل طلب الحجر ما يترتب على تسجيل قرار الحجر بحيث لا تأخذ تصرفات السفيه أو ذي الغفلة المحجور عليه في مواجهة الكافة حكم تصرفات الصبي المميز إلا إذا صدرت منه بعد تسجيل طلب الحجر أو بعد تسجيل قرار الحجر إذا لم يسجل الطلب فما يصدر منها بعد هذا التسجيل يكون باطلاً بطلاناً مطلقاً متى كان ضاراً ضرراً محضاً وبطلاناً نسبياً إذا كان دائراً بين النفع والضرر وصحيحاً إذا كان نافعاً نفعاً محضاً .
الاستثناءات:
إذا كانت القاعدة أن أهلية تصرف السفيه وذي الغفلة تعتبر مقيدة قانوناً على النحو السابق فإن القانون قد استثنى مع ذلك بعض هذه التصرفات وهذا ما تنص عليه المادة 116مدنى بقولها :
1. يكون تصرف المحجور عليه لسفه أو غفلة بالوقف أو بالوصية صحيحاً متى أذنته المحكمة في ذلك.
2. وتكون أعمال الإدارة الصادرة من المحجور عليه لسفه المأذون له بتسلم أمواله صحيحة في الحدود التي رسمها القانون .
إذن هناك نوعين من الاستثناءات على نقص أهلية السفيه وذي الغفلة فهناك أولا: تصرفه بالوقوف
أو الوصية فهذان يكونان صحيحين إذا صدرا من السفيه أو ذي الغفلة وأذنته المحكمة في ذلك ونلاحظ أنه رغم أن الوصية وكذلك الوقف تعتبر من التصرفات الضارة ضرراً محضاً وبالتالي كان من الواجب أن تكون باطلة بطلاناً مطلقاً إلا أن المشرع راعى فيها أنها تصرف مضاف إلى ما بعد الموت فضررها لا يصيب المحجور عليه لسفه أو لغفلة في حياته وإنما يضر بورثته بعد وفاته .
وهناك ثانياً أعمال الإدارة إذ أجازت الفقرة الثانية من المادة 116من القانون المدني للسفيه وذي الغفلة المحجور عليهما مباشرة هذه الأعمال متى أذنت لهما المحكمة في تسلم كل أو بعض أموالهما لإدارتها فتكون لهما إذن أهلية أداء كاملة في شأن هذه الأعمال بنفس الطريقة في أهلية القاصر ذو الثمانية عشر عاماً والمأذون له بالإدارة وإذا كانت الفقرة الثانية من المادة 116مدنى قد اقتصرت بالنص على السفيه دون ذي الغفلة فان المادة 67من قانون الولاية على المال تشتمل كلاً من السفيه وذي الغفلة(1) حيث نصت على أنه :
"يجوز للمحجور عليه للسفه أو للغفلة بإذن من المحكمة أن يتسلم أمواله كلها أو بعضها لإدارتها وفى هذه الحالة تسرى عليه الأحكام التي تسرى في شأن القاصر المأذون"ومع ذلك فتجدر مراعاة أن الإذن بالإدارة للسفيه أو ذي الغفلة المحجور عليهما لا تملكه إلا المحكمة طبقاً لصريح نص هذه المادة الأخيرة بينما يملك الإذن بالإدارة للصبي البالغ الثامنة عشرة الولي أو المحكمة على السواء.
· التصرفات الصادرة قبل تسجيل قرار الحجر
القاعدة العامة : أوضحت الفقرة الثانية من المادة 115مدنى أن التصرف الصادر قبل تسجيل قرار الحجر لا يكون باطلاً(إذا كان ضاراً ضرراً محضاً) أو قابلاً للإبطال ( إذا كان دائراً بين النفع والضرر) إلا إذا كان نتيجة استغلال أو تواطؤ .
إذن فالأصل العام هو صحة التصرفات الصادرة قبل تسجيل قرار الحجر (أو تسجيل طلب الحجر) لأن انتقاص الأهلية لا يثبت إلا بالحجر ووفقاً لهذا الأصل العام فإن قرار ( أو طلب) الحجر لا يسرى في حق الغير إلا من وقت التسجيل طبقاً للقواعد العامة بحيث لا يستطيع الغير الاحتجاج بعدم علمه بالحجر متى كان هذا القرار أو الطلب مسجلاً .
الاستثناء:
رغم اتفاق هذا الأصل مع المبادىء العامة للقانون إلا أن مقتضيات حماية أموال السفيه أو ذي الغفلة سواء من نفسه أو من الغير استلزمت الخروج على هذا الأصل بتقرير نقص أهليته وبطلان أو قابلية تصرفاته للبطلان طبقاً لطبيعة التصرف رغم صدور هذه التصرفات قبل تسجيل قرار أو طلب الحجر عليه ويكون ذلك متى كان المتعاقد الآخر سيء النية قصد بتعامله مع السفيه أو ذي الغفلة الاستغلال أو تواطأ معه من أجل توقى آثار الحجر متى كان هذا الأخير متوقعاً ففي هاتين الحالتين حالة الاستغلال وحالة التواطأ يكون تصرف السفيه أو ذي الغفلة باطلاً إذا كان من أعمال التبرع وقابلاً للإبطال إذا كان دائراً بين النفع والضرر.
إذن يلزم دائماً حتى يمكن بطلان أو إبطال تصرفات السفيه أو ذي الغفلة قبل تسجيل قرار الحجر إثبات استغلال أو تواطؤ المتعاقد معه هذا ما نصت عليه صراحة المادة 115/2مدنى وما أكدته العديد من الأحكام المتواترة لمحكمة النقض المصرية 1950 أن " قرار الحجر للسفه ليس له أثر إلا من تاريخ صدوره فلا ينسحب على التصرفات السالفة عليه ما لم تكن قد حصلت بطريق الغش والتواطؤ والفتوى في هذا الخصوص على رأى أبى يوسف وحاصله أن تصرفات السفيه قبل الحجر نافذة فالحكم بإبطال تصرف السفيه قبل الحجر عليه على أساس الاحتيال على القانون وهو عالم بسفهه متواطئاً معه في تعامله لتفويت آثار حجر متوقع(1) ".
أما إذا لم يثبت توافر إحدى هاتين الحالتين وهى الاستغلال والتواطؤ فيفترض حسن نية المتصرف إليه ويكون هذا التصرف صحيحاً ولهذا فقد قضت محكمة النقض(2)" مجرد ثبوت تحرير العقدين في الفترة مابين تاريخ تقديم طلب الحجر وتاريخ صدور القرار بتوقيعه لا يكفى بذاته لترتيب البطلان بل يلزم أيضاً إثبات أن التصرف كان نتيجة استغلال أو تواطؤ" .
ما المقصود إذن بالاستغلال والتواطأ ؟ عرفت محكمة النقض المصرية الاستغلال بأنه : علم الغير بسفه أو غفلة شخص فيغتنم هذه الفرصة ويستصدر منه تصرفات لا تتعادل فيها التزاماته مع ما حصل عليه من فائدة(1) أما التواطؤ فيقوم عندما يتوقع السفيه أو ذو الغفلة الحجر عليه فيعمد إلى التصرف في أمواله إلى من يتواطأ معه على ذلك بقصد تفويت آثار الحجر المرتقب(2).
من هذا نرى أن هناك فرقاً واضحاً بين إبطال تصرف قانوني قبل صدور قرار الحجر لسفه أو غفلة وبين إبطاله لجنون أو عته فبينما يكفى في هذه الحالة الأخيرة إثبات علم المتعاقد الآخر بالجنون أو العته أو شيوع هذه الحالة فإن هذا العلم لا يكفى في مجال السفه والغفلة ومن هنا فقد قررت محكمة النقض المصرية في أحكام عديدة أنه لا يكفى لإبطال التصرف أن يعلم المتصرف إليه بما كان يتردى فيه المتصرف من سفه بل يجب أن يثبت إلى جانب هذا العلم قيام الاستغلال أو التواطؤ كما انه لا يكفى لتحقق الاستغلال أن يكون المتصرف إليه قد ابرم مع المتصرف العقد بقصد الاستغلال إذ أنه بفرض توافر هذا القصد لدى المتصرف إليه فانه لا يكفى بذاته لإبطال العقد بل يجب لذلك أن يثبت أنه استغل المتصرف فعلا حصل من وراء هذا العقد على فوائد أو مميزات تجاوز الحد المعقول حتى يتحقق الاستغلال بالمعنى الذي يتطلبه القانون " إذن يمكن أن نستنتج شروطاً ثلاثة يجب توافرها حتى يمكن الحكم بإبطال تصرف السفيه أو ذي الغفلة في الفترة السابقة على تسجيل قرار أو طلب الحجر عليه :
1. يجب أن يعلم المتصرف إليه بحالة السفه أو الغفلة التي يتردى فيها المتصرف .
2. يجب إثبات استغلال المتصرف إليه لهذه الحالة أو تواطئه مع المتصرف بقصد تفويت آثار الحجر على الأخير .
3. يجب أخيرا إثبات أن المتصرف إليه قد استغل فعلا المتصرف بأن استصدر منه تصرفات لا تتعادل فيها التزاماته مع ما حصل عليه من فوائد .
متى توافرت هذه الشروط مجتمعة كان حكم تصرف السفيه أو ذي الغفلة السابق على تسجيل قرار الحجر هو نفس حكمه اللاحق على تسجيل هذا القرار : يكون باطلاً بطلاناً مطلقاً إذا كان ضاراً ضرراً محضاً وقابلاً للإبطال إذا كان دائراً بين النفع والضرر وصحيحاً متى كان نافعاً نفعاً محضاً في النهاية يجب القول أن من يحجر عليه لسفه أو غفلة ينصب عليه قيم على النحو الذي ينصب به القيم على المجنون والمعتوه .
بهذا العرض البسيط نكون قد انتهينا من بيان النظام القانوني لعوارض الأهلية في القانون المدني المصري وبينا أن عوارض الأهلية أربعة هي الجنون والعته والسفه والغفلة وبينا أحكام هذه العوارض بقى أن نوضح الأهلية وعوارضها في الفقه الإسلامي مقارنة بالقوانين الوضعية للوقوف على مدى كفاية النظام القانون لعوارض الأهلية ولتحرير موضع الخلاف وهذا ما سوف نوضحه في المطلب الثاني .
clip_image008 المطلب الثاني


تنقسم عوارض الأهلية في الشريعة الإسلامية إلى عوارض سماوية وعوارض مكتسبة والعوارض السماوية هي تلك التي تثبت من قبل صـاحب الشرع بدون اختيار الإنسان ولهذا نُسبت إلى السماء لأن ما لا اختيار للإنسان فيه يُنسب إلى السمـاء بمعنى أنه خـارج عن قدرة الإنسان ، مثل الجنون والعته والمرض والموت .
أما العوارض المكتسبة فهي ما كان للإنسـان فيها كسب واختيار وهو نوعـان : الأول: مـا يكون من نفس الإنسـان كالجهل والسكر والهزل : والثاني : ما يكون من غيره وهو الإكراه ونوضح ما أجملناه تباعاً لذا نقسم هذا المطلب إلى فرعين :
الفرع الأول : العوارض السماوية
الفرع الثاني : العوارض المكتسبة
( الفرع الأول: العوارض السماوية )
العوارض السماوية كما ذكرنا آنفاً هي التي تثبت من قبل صاحب الشرع بدون اختيار الإنسان وهذه العوارض هي الجنون والعته والنسـيان والنوم والإغماء والمرض والموت ونوضح كل عارض من هذه العوارض بالتفصيل مع بيـان موقف القوانين المدنية .
أولاً : الجنون
عرف بعض الأصوليين الجنون : بأنه اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهج العقل إلا نادراً(1)وهو نوعان : أصلى وطارىء. والأصلي: أن يبلغ الإنسان مجنوناً والطارىء : أن يبلغ عاقلاً ثم يطرأ عليه الجنون وكل منهما إما ممتد أو غير ممتد والجنون بنوعيه لا يؤثر في أهلية الوجوب لأنها تثبت بالذمة والجنون لا ينافى الذمة لأنها ثابتة على أساس الحياة في الإنسان إلا أنه يؤثر في أهلية الأداء فيعدمها لأنها تثبت بالعقل والتمييز والمجنون فاسد العقل عديم التمييز ولهذا كان حكمه حكم الصغير غير المميز في تصرفاته وأفعاله .
أما في العبادات: فإن كان الجنون ممتداً(2) فإنه يسقط العبادات أي يمنع وجوبها أصلاً لفوات القدرة في الحال لقيام الجنون وللحرج في الأداء بعد الإفاقة بطريق القضاء وإذا انتفى تحقيقاً وتقديراً لثبوت الحرج في القضاء انعدم الوجوب إذ لا فائدة من الوجوب بدون الأداء أما إذا كان الجنون غير ممتد فإن الأداء وإن كان غير ممكن في حال الجنون إلا أنه ممكن بعد الإفاقة على سبيل القضاء بدون حرج فكان الأداء ثابتاً تقديراً فيبقى الوجوب(3).
· المجنون والحجر عليه في القوانين المدنية مقارنة بالشريعة الإسلامية
الجنون من أسباب الحجر ، والحجر شرعاً : المنع من التصرفات القولية لا الفعلية ، بمعنى عدم انعقادها أو عدم نفاذها وفى الجنون المنع من انعقادها حتى لو كانت نافعة نفعاً محضاً كما هو الحال بالنسبة للصغير غير المميز لأن صحة الأقوال والاعتداد بهـا يكون بالعقل والتمييز وبدون ذلك لا يمكن اعتبارها حتى لو أجازها الولي لوقوعها بـاطلة والإجازة اللاحقة لا تلحق الباطل فلا تجعله صحيحاً(1) والمجنون محجور لذاته ، بمعنى : أن الجنون متى طرأ على الإنسان كان سبباً للحجر عليه دون توقف على حكم القضاء وعلى هذا لا يعتد بأقوال المجنون من حين جنونه إلا إذا كان متقطعاً بأن كان المجنون يفيق في بعض الأوقات فإن حكم تصرفاته في حالة إفاقته حكم تصرفـات العاقل .
والقانون المدني العراقي لم يخرج عن هذه الأحكام المقررة في الفقه الإسلامي فقد نص على أن المجنون في حكم الصغير غير المميز وانه محجور لذاته وأن تصرفاته في حال إفاقته إذا كان جنونه غير مطبق كتصرفات العاقل(2) وكذا القانون المدني الأردني حيث قضت المادة 127مدنى أردني "الصغير والمجنون والمعتوه محجورون لذاتهم " بمعنى عدم ضرورة صدور حكم بالحجر عليهم .
أما القانون المصري كما رأينا فقد خرج في بعض ما نص عليه على أحكام الفقه الإسلامي فهو وإن نص على أن المجنون عديم الأهلية كالصغير غير المميز إلا أنه لم يجعله محجوراً عليه إلا بقرار من ا لمحكمة ولم يرفع عنه الحجر إلا بقرار من المحكمة أيضاً وأن تصرفاته قبل تسجيل قرار الحجر صحيحة لا باطلة إلا إذا كانت حالة الجنون شائعة وقت التعاقد مع المجنون أو كان الطرف الآخر على بينه منها أما تصرفاته بعد تسجيل قرار الحجر فإنها تكون باطلة بطلاناً مطلقاً سواء وقعت في حال إفاقته – إن كان يفيق في بعض الأحيان – أو وقعت في حالة جنونه ، بل وحتى لو وقعت بعد رشده ما دام قرار الحجر لم يرفع عنه(3).
ثـانياً : العته
العته هو اختلال في العقل ، يجعل صاحبه قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير(4) وقد يترتب عليه فقد الإدراك والتميز وهو نوعـان ، الأول: عته لا يبقى معه إدراك ولا تمييز وصاحبه يكون كالمجنون فتنعدم فيه أهلية الأداء دون الوجوب ويكون في الأحكام كالمجنون . الثاني : عته يبقى معه إدراك وتمييز ولكن ليس كإدراك العقلاء ، وبهذا النوع من العته يكون الإنسان البالغ كالصبي المميز في الأحكام فتثبت له أهلية أداء ناقصة أما أهلية الوجوب فتبقى له كاملة وتكون تصرفاته صحيحة إذا كانت نافعة نفعاً محضاً وباطلة إذا كانت ضارة ضرراً محضاً وموقوفة على إجازة الولي إذا كانت دائرة بين النفع والضرر هذا والمعتوه محجور عليه لذاته فهو من هذه الجهة كالمجنون .
· المعتوه والحجر عليه في القوانين المدنية مقارنة بالشريعة الإسلامية
لم يشترط القانون العراقي للحجز على المعتوه حكماً من المحكمة فقد جعله محجوراً عليه لذاته وهذا هو المقرر في الفقه الإسلامي كما أنه جعله كالصغير المميز في الأحكام دون تفريق بين معتوه ومعتوه(1) وهذا هو مسلك القانون المدني الأردني (م128مدنى أردني ) وكذا القانون اللبناني(2) .
أما القانون المدني المصري فكما سبق ورأينا فقد جعله كالمجنون دون تفريق بين معتوه ومعتوه وطبق عليه أحكام المجنون من جهة الحجر عليه ولزوم صدور حكم الحجر عليه من المحكمة المختصة وأن تصرفاته قبل تسجيل قرار الحجر باطلة إذا كانت حالة العته شائعة وقت التعاقد ، أو كان الطرف الآخر على علم بهـا وأن تصرفاته تبقى باطلة قبل رفع قرار الحجر(3) جملة ما قرره القانون المدني المصري مخالف لما هو مقرر في الفقه الإسلامي لا سيما في اعتبار المعتوه مجنوناً مع أن المعتوه ليس مجنوناً في جميع أحواله .
ثالثاً: النسـيان
النسيان : عارض يعرض للإنسان فلا يجعله يتذكر ما كلف به وهو لا ينافى أهلية الوجوب ولا أهلية الأداء لبقاء القدرة بكمال العقل(4) وهو لا يكون عذراً في حق العباد ومن ثم لو أتلف إنسان مال غيره ناسياً وجب عليه الضمان(5) أما في حقوق الله تعالى فالنسيان يعد عذراً بالنسبة لاستحقاق الإثم فالناسي لا إثم عليه قـال عليه الصلاة والسلام " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيـان وما اسْتُكرِهوا عليه " ، أما في أحكام الدنيـا فقد يكون النسيان عذراً مقبولاً فلا تفسد عبادته : كما في أكل الصائم ناسياً .
رابعاً : النوم والإغماء
النوم والإغماء ينافيان أهلية الأداء لا الوجوب(6) فمادام الإنسان نائماً أو مغمى عليه فليست له أهلية أداء لأنها تقوم على التمييز بالعقل ولا تمييز للإنسان في حالة نومه أو إغمائه وعلى هذا لا يعتد بشيء من أقواله مطلقاً ولا يؤاخذ بأفعاله مؤاخذة بدنية حتى لو انقلب على إنسان فقتله لم يعاقب بدنياً لانتفاء القصد منه لعدم تميزه واختياره ولكن يؤاخذ مؤاخذة مالية فتجب عليه الدية كما يجب عليه ضمان ما يتلفه من مال بفعله .
أما بالنسبة للعبادات فإن الأداء في الحال مرفوع عن النائم والمغمى عليه لأن كلاً من النوم والإغماء يوجب تأخير الخطاب بالأداء إلى وقت الانتباه والإفاقة لامتناع الفهم واستحالة الأداء في هاتين الحالتين إلا أن وجوب العبادة لا يسقط لاحتمال الأداء حقيقة بالانتباه والإفاقة أو احتمال حصول خلف الأداء وهو القضاء بعد الانتباه والإفاقة وهذا لأن نفس العجز عن الأداء في الحال لا يسقط أصل الوجوب مادام القضاء ممكنا بلا حرج وحيث أن النوم عادة لا يطول فلا حرج في قضاء ما فـات من العبادة فلا يسقط الوجوب وكذا الإغماء إذا لم يكن ممتداً(7).
خامسـاً : المرض
المراد بالمرض هنا غير الجنون والإغماء وهو لا ينافى الأهليتين أهلية الوجوب وأهلية الأداء فللمريض أهلية كاملة بنوعيها ولهذا تثبت الحقوق له وعليه إلا أن المرض يؤثر في بعض الأحكام بالنسبة للمريض مع ثبوت الأهلية الكاملة له ، من ذلك : عدم نفاذ بعض تصرفاته وتفصيـل ذلك : إن خلافة الوارث عن موروثه في ماله تثبت بالموت جبراً بحكم الشارع كما يثبت بالموت أيضاً : تعلق حق الدائن بمال المدين الميت ولما كان المرض سبباً للموت فإن تعلق حق الوارث والدائن بالمال يثبت من حين حلول المرض لأن الحكم يضاف إلى أول السبب(1) ولصيانة حق الوارث والدائن يثبت الحجر على المريض بالقدر الذي يتحقق به صيانة هذا الحق وهو مقدار الثلثين بالنسبة للوارث وجميع المال في حق الدائن إن كان الدين مستغرقاً للتركة أو بمقدار الدين إن لم يكن مستغرقاً(2) ويثبت هذا الحجر مستنداً إلى أول المرض الذي اتصل به الموت لأن علة الحجر : مرض مميت وإذا اتصل به الموت صار المرض من أوله موصوفاً بالأمانة ولكن لما كان المرض لا يعرف أنه مرض مميت إلا إذا اتصل به الموت لم يكن إثبات الحجر بالشك ولهذا لا يظهر أثر الحجر قبل الموت فتصح تصرفات المريض مرض الموت(3) دون أن يكون للوارث أو الدائن حق الاعتراض عليها في حال حياته وإنما يثبت لهم هذا الحق بعد وفاته إذا كان التصرف مضراً بحقوقهما كما في الهبة وبيع المحاباة(4).
نكاح المريض :
نكاح المريض مرض الموت صحيح عند الجمهور لصدوره من ذي أهليه ويقع به التوارث بين الزوجين ويجب فيه المهر المسمى على رأى بعضهم : كأحمد والظاهرية ، ومهر المثل على رأى البعض الأخر : كالشافعي وغيره ، رعاية لحق الورثة والدائنين وهذا إذا لم يخرج المهر المسمى من الثلث ولم يجزه الورثة أو الدائنون وعند الأوزاعى : النكاح صحيح ولا توارث بين الزوجين وعند الإمام مالك : النكاح فاسد ولا توارث والراجح لنا هو صحة نكاح المريض ووقوع التوارث به ووجوب المهر المسمى إذا كان أقل من مهر المثل فإن كان أكثر توقف الزائد على إجازة الورثة أو الدائنين إن كان يمس بحقوقهم أما القول بفساد النكاح مطلقاً فقول ضعيف لأن النكاح من الحوائج الأصلية للإنسان ولا حجر على المريض فيما هو من حوائجه الأصلية : كالنكاح بمهر المثل . أما إذا ثبت أن قصد المريض بنكاحه الإضرار بالورثة فيمكن القول في هذه الحالة بعدم التوارث به رداً لقصده السىء .
طلاق المريض وموقف القوانين المدنية منه :
إذا طلق المريض مرض الموت زوجته المدخول بها طلاقاً بائناً بغير رضاها فإن الطلاق يقع عند الفقهاء إلا أنهم اختلفوا حول ميراثهـا : فذهـب الجمهور إلى أنها ترثه رداً لقصد الزوج السىء الذي أراد بهذا الطلاق حرمانهـا من الميراث .

وقال الشافعي وأهل الظاهر : لا ترث لأن الطلاق البائن يقطع الميراث ولا عبرة بالقصد الباطن لأن الأحكام تُبنى على الظاهر والله يتولى السرائر ومع أن الجمهور قالوا بميراث المطلقة بائناً إلا أنهم : اختلفوا في مدى بقاء حق الزوجة في الإرث فعند الحنفية : ترث مادامت في عدتها وعند الحنابلة : ترث ولو انقضت عدتها ما تتزوج ، وقال الإمام مالك : ترث سواء انقضت عدتها أو لم تنقض ، تزوجت أو لم تتزوج أما إذا كان الطلاق البائن قبل الدخول فإن الزوجة ترث أيضاً على قول الإمام مالك ولا ترث على قول الحنفية .
وفى القانون العراقي قرر قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188لسنة 1959: أن المطلقة في مرض الموت ترث من زوجها إلا أنه جاء بحكم غريب وهو أن طلاق المريض مرض الموت لا يقع(1) وهذا خلاف المعروف في الفقه الإسلامي من أن الطلاق يقع ما دام صادراً من أهله والمرأة صالحة لإيقاع الطلاق عليها وأهلية الطلاق لا تختلف بالصحة والمرض ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بعدم وقوع طلاق المريض وإنما اختلف الفقهاء في ميراث المطلقة بائناً إذا طلقها زوجها وهو في مرض الموت أما القانون المصري فقد نص على أن الزوجة المطلقة بائناً في مرض الموت تعتبر في حكم الزوجة إذا كان الطلاق بغير رضاها وترث زوجها إذا مات وهى في العدة(2) فهو قد أخذ بمذهب الحنفية .
سادساً: الموت
الموت هو آخر العوارض السماوية وبه يكون الإنسان عاجزاً عجزاً تاماً يترتب عليه انعدام أهلية الأداء فتسقط عنه جميع التكليفات الشرعية لأن الغرض منه الأداء عن اختيار والأداء بالقدرة ولا قدرة مع الموت لأنه عجز خالص ولهذا قال البعض كالحنفية : بسقوط الزكاة عن الميت في حكم الدنيا فلا يجب أداؤها من التركة إذا كان الميت لم يؤدها في حياته ، لأن فعل المكلف هو المقصود في حقوق الله تعالى وقد فات بالموت وعند البعض الأخر كالشافعي : لا تسقط الزكاة بالموت لأن المال هو المقصود من الزكاة لا فعل المكلف واخرج المال الواجب بالزكاة من التركة ممكن فلا يسقط الأداء أما أهلية الوجوب فقد قلنا إنها تكون بالذمة ولا خلاف بين الفقهاء في أن الذمة تفنى بالموت ولكن في فنائـها بعد الموت مباشرة أقوالاً للفقهـاء(3):
القول الأول : إنها تفنى بعد الموت مباشرة لأن أساسها الحياة وبالموت زالت الحياة فتزول ذمته فلا تكون له أهلية وجوب لا كاملة ولا ناقصة أما ديونه فمصيرها السقوط إذا لم يترك الميت مالا .
القول الثاني : ذمة الميت لا تفنى ولكنها تضعف أو تخرب ولضعفها تبقى معها أهلية الوجوب في الجملة ولكن لا تقوى هذه الذمة التي أضعفها الموت على تحمل الديون المرسلة إن لم يكن هناك ما يقويها من مال تركه الميت أو كفيل كان قد كفل الدين في حياة المدين وبدون هذه وذاك يسقط الدين ولا يبقى .
القول الثالث : إن ذمة الميت تبقى ولا تفنى فتبقى مشغولة بالديون ويطالب القيم على التركة بأدائهـا منها .
(الفرع الثاني: العوارض المكتسبة)
ذكرنا أن العوارض المكتسبة هي ما كان للإنسان فيها كسب واختيار وهى نوعـان ؛ الأول : ما يكون من نفس الإنسان كالجهل والسكر والهزل والثاني: ما يكون من غيره عليه وهو الإكراه وسوف نتكلم عن كل عارض من هذه العوارض على حده :
أولاً : الجهل
الجهل لا ينافى الأهلية وإنما قد يكون عذراً في بعض الأحوال وهو إما أن يكون في دار الإسلام وإما غير ذلـك أي دار الحرب :
· الجهل في دار الإسلام
القاعدة : إن الجهل لا يعد عذراً في دار الإسلام لأن العلم فيها مفروض على من فيها فلا يعذر المسلم بجهله الأحكام العامة الواضحة التي لا رخصة لأحد في جهلها وهى الثابتة بالكتاب والسنة المتواترة أو المشهورة أو التي انعقد عليها الإجماع : كوجوب الصلاة والصيام وكتحريم الخمر والزنا وقتل النفس بغير حق وحرمة الاعتداء على مال الغير ونحو ذلـك ولا يستثنى من ذلك الذمي فلا يعذر أحد بالجهل بما يطبق عليه من أحكام الإسلام : كالقصاص وحد الزنا والسرقة لأنه مقيم في دار الإسلام ، والعلم في دار الإسلام مفترض في الجميع ولهذا لو أسلم فشرب الخمر وجبت عليه العقوبة لأن تحريم الخمر شائع ومشتهر في دار الإسلام فلا يعذر أحد بجهله .
ومثل ما ذكر في عدم اعتبار الجهل عذراً جهل من خالف باجتهاده صريح الكتاب أو السنة المشهورة :فمن الأول القول بحل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمداً قياساً على متروك التسمية سهواً فإنه مخالف لقوله تعالى {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ}(1) ، ومن الثاني : القول بالتحليل بدون وطء لمخالفته للسنة المشهورة(2) .
إلا أن الجهل يكون عذراً في موضع الاجتهاد الصحيح الذي لا يخالف الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع كما في عفو أحد ولى القتيل عن القصاص(3).
ويلاحظ هنا : أن ولى الأمر – السلطة العامة- إذا اختار أحد الآراء الاجتهادية وأمر بإتباعه وأعلن ذلك بحيث شاع الإعلان ففي هذه الحالة يلحق هذا الرأي الاجتهادي المختار بالأحكام العامة الثابتة فلا يعذر أحد بالجهل به ولا يعتد باجتهاد المخالف وكذلك يعتبر الجهل بالواقع عذراً مقبولاً كمن نكح امرأة جاهلاًَ أنها محرمة عليه بسبب الرضاعة أو كمن شرب عصير العنب جاهلاً تخمره فإن الجريمة تنتفي في الحالتين ولا عقاب على الفاعل ومن ذلك أيضاً جهل الشفيع بالبيع أي بيع جاره داره أو شريكه حصته فإنه عذر للشفيع ولهذا يثبت له حق الشفعة إذا علم بالبيع ومنه أيضاً جهل الوكيل بالعزل من الموكل ولهذا ينفذ تصرفه في حق الموكل قبل علمه بالعزل(4) .
· الجهل في دار الحرب
القاعدة : أن العلم فيها لا يفترض إذ هي ليست دار علم بالأحكام الشرعية بل دار جهل بها وعلى هذا إذا أسلم شخص هناك ولم يعلم حقيقة وجوب العبادات عليه : كالصلاة ونحوها فلم يؤدها فإنها لا تلزمه قضاء إذا علمها وكذلك إذا شرب الخمر جهلاً منه بحرمتها فلا إثم عليه ولا عقاب لأن المؤاخذة ولزوم التكليف يثبتان ببلوغ الخطاب إليه حقيقة أو تقديراً بشهرته في محله وليست دار الحرب بالدار التي تشيع فيها الأحكام وتشتهر(1).
· القاعدة في القوانين الوضعية
القاعدة في القوانين الوضعية : أنها متى ما نشرت بالطرق المقررة لها كأن تنشر بالجريدة الرسمية فأن العلم بها يصبح مفروضاً بالنسبة للجميع فلا يعذر أحد بجهلها ومن ثم فإن القاعدة المقررة هي " إن الدفع بالجهل بالقانون غير مقبول" وهذه القاعدة ثابتة في القوانين الوضعية مدنية كانت أو جزائية ولا يرد على هذه القاعدة إلا استثناءات قليلة جداً من ذلـك ما نص عليه قـانون العقوبات المصري" بعدم معاقبة الموظف العمومي إذا ارتكب فعلاً مخالفاً للقانون إذا كان الفعل داخلاً في نطاق وظيفته وكان الموظف يعتقد مشروعيته(2).
وكذلك يكاد ينعقد إجماع علماء القانون الجنائي على أن الجهل بالقانون يكون عذراً إذا استحال مادياً العلم بالقانون كما لو صدر القانون في أثناء حصار حربي على مدينة من مدن الدولة أما الجهل بالوقائع فيصح الدفع به أي دفع المسؤولية الجنائية عن الفاعل كقاعدة عامة كمن يستعمل أوراقاً مزيفة مع اعتقاده بأنها قانونية .
ثانياً : الخطأ
الخطأ يطلق ويراد به ما قابل الصواب ويطلق ويراد به ما قابل العمد ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهذا المعنى هو المراد في بحوث عوارض الأهلية ويمكن تعريفه : بأنه وقوع القول أو الفعل من الإنسان على خلاف ما يريده وهو لا ينافى الأهلية بنوعيها لأن العقل قائم مع الخطأ ولكنه يصلح أن يكون عذراً في سقوط حقوق الله تعالى : كخطأ المفتى ، أو خطأ الذي جهل القبلة عن اجتهاد وكذلك يصلح شبهه تدرأ العقوبات المقررة حقاً لله تعالى كالحدود مثل حد الزنا وفى حقوق العباد إن كان الحق عقوبة كالقصاص لم يجب بالخطأ لأن القصاص عقوبة كاملة فلا يجب على المخطىء لأنه معذور وإنما تجب بالقتل الخطأ الدية لأنها بدل المحل المتلف وتكون على العاقلة في ثلاث سنين لأن الخطأ يوجب التخفيف فيما هو صلة والدية على العاقلة من باب الصلات لأنها لم تجب مقابل مـال ؛ أما في حقوق العباد المالية كإتلاف مال الغير خطأ فأن الضمان يجب ولا ينهض الخطأ عذراً لدفع الضمان لأنه بدل مال لا جزاء فعل فيعتمد عصمة المحل وكون المتلف خاطئاً معذوراً لا ينافى عصمة المحل .
وفى المعاملات لا يعتبر الخطأ عذراً لمنع انعقاد التصرف وعدم ترتيب أثره وهذا عند البعض كالحنفية حتى لو طلق خطأ وقع الطلاق وكذا ينعقد بيع المخطىء لوجود أصل الاختيار ويكون فاسداً لفوات الرضا(1) .
وعند الجمهور كالشافعية والجعفرية وغيرهم : لا يقع طلاق المخطىء ولا يعتد بسائر تصرفاته القولية(2) والحجة للجمهور: أن اعتبار الكلام إنما هو بالقصد الصحيح ولا قصد للمخطىء فيما يقوله فلا يعتبر ولهذا تهدر أقوال النائم والمغمى عليه لعدم القصد فكذا المخطىء ويؤيد ذلك الحديث الشريف : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"(3).
ويرد الحنفية على قول الجمهور : بأن عدم القصد في طلاق المخطىء من الأمور الخفية التي يتعذر الوقوف عليها فأقيم البلوغ مع العقل مقام القصد في الطلاق لأن السبب الظاهر إنما يقوم مقام الشيء إذا كان خفياً يعسر الوقوف عليه فإذا كان ظاهراً فلا يقام شيء مقامه ولهذا لا يقام البلوغ مع العقل مقام القصد والرضا بالنسبة للنائم والمغمى عليه لأن عدم قصدهما ورضاهما من الأمور الظاهرة بلا حرج فلا يقام شيء مقامها(4) والذي نراه راجحاً هو قول الجمهور فينبغي عدم الاعتداد بجميع أقوال المخطىء لا طلاقه ولا أي تصرف قولي آخر بشرط أن يثبت خطأه .
ثالثاً: الهزل
الهزل أن يراد بالشيء ما لم يوضع له(5)والكلام وضع عقلاً لإفادة معناه الحقيقي أو المجازى والتصرف القولى الشرعي موضوع لإفادة حكمه فإذا أريد بالكلام غير موضوعه العقلي وأريد بالتصرف القولى غير موضوعه الشرعي وهو عدم إفادته الحكم أصلاً فهو الهزل فالهازل يتكلم باختياره وهو عالم بمعناه من غير قصد لموجبه فهو يباشر العقود والتصرفات عن رضا واختيار ولكن لا يريد الحكم المترتب عليها ولا يختاره ولا يرضى بوقوعه وهو لا ينافى أهلية الوجوب ولا أهلية الأداء ولكنه يؤثر في بعض الأحكام بالنسبة للهازل وخلاصة القول في ذلك أن التصرفات القولية التي تقترن بالهزل ثلاثة أقسـام : الإخبارات ، الاعتقادات ، الإنشاءات
· الإخبارات
وهى الإقرارات والهزل يبطلها مهما كان موضوع الإخبار لأن صحة الإقرار تقوم على صحة المخبر به والهزل دليل ظاهر على كذب ما أقر به فلا يعتد بإقراره فمن أقر هازلاً ببيع أو نكاح أو طلاق فلا عبرة بذلك ولا يترتب على إقراره شيء حتى ولو أجازه الهازل لأن الإجازة تلحق شيئاً منعقداً يحتمل الصحة والبطلان فلا تلحق ما لم ينعقد أصلاً كما أن الإجازة لا تجعل الكذب صدقاً .
· الاعتقادات
وهى الأقوال الدالة على عقيدة الإنسان والهزل لا يمنع أثرها ولهذا لو تكلم بكلمة الكفر هازلاً صار مرتداً عن الإسلام وإن كان الهازل لا يقصد الردة ولا يريدها .
وذلك لأن التكلم بكلمة الكفر هزلاً استخفاف بالإسلام والاستخفاف به كفر فصار الناطق بكلمة الكفر مرتداً بنفس الهزل وان لم يقصد حكمه {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ}(1) .
· الإنشاءات
ومعناها إيقاع الأسباب التي تترتب عليها الأحكام الشرعية المقررة لها كالبيع والإجارة وسائر العقود والتصرفات وهى نوعـان :
النوع الأول : لا يبطله الهزل كالنكاح والطلاق والرجعة لقوله صلى الله عليه وسلم :"ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح ، والطلاق ، والرجعة" فهذا النوع يشمل التصرفات التي لا تحتمل الفسخ.
النوع الثاني : ما يؤثر فيه الهزل بالإبطال أو الفساد : كالبيع ، والإجارة ، وسائر التصرفات التي تحتمل الفسخ(2) على التفصيل المذكور في كتب الفقه المختلفة.
رابعاً : السفه
السفه في اللغة : الخفة ، وفى اصطلاح الفقهاء: عبارة عن التصرف في المال على خلاف مقتضى الشرع والعقل مع قيام العقل(3) وعد السفه من العوارض المكتسبة لأن السفيه يعمل باختياره ورضاه على خلاف مقتضى العقل(4) وهو لا ينافى الأهلية فالسفيه كامل الأهلية مخاطب بجميع التكليفات إلا أن السفيه يؤثر في بعض الأحكام ويظهر هذا الأثر في منع المال عن الصبي إذا بلغ سفيهاً وفى الحجر على البالغ العاقل بسبب السفه وحكم تصرفات السفيه المحجور فلا بد من توضيح هذه ا لمسائل ثم بيان موقف القوانين المدنية:
· دفع المال لمن بلغ سفيهاً
اتفق الفقهاء ما عدا الظاهرية على أن الصبي إذا بلغ سفيهاً لا يدفع إليه ماله لقوله تعالى {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً}(5) وإنما يدفع إليه المال بعد البلوغ إذا أنس منه الرشد أي إذا عرف لقوله تعالى : {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}(6)فإيتاء المال يشترط له البلوغ والرشد بنص الآية وقال الظاهرية يدفع المال إلى من بلغ عاقلاً لأن الرشد عندهم هو البلوغ والعقل والسفه عندهم : عدم العقل ، فمن بلغ عاقلاً تحقق فيه الرشد ووجب دفع المال إليه(7) .
أما الجمهور فالرشد عندهم هو الصلاح في العقل والقدرة على حفظ المال(8) فليس كل عاقل رشيداً وإن كان كل رشيد عاقلاً واختلفوا حول مفهوم الرشد ولا داعي لذكر هذا الخلاف .
· الحجر على السفيه
اختلف الفقهاء في السفه : هل يصح أن يكون سبباً للحجر أم لا سواء أكان السفه أصلياً بأن بلغ الإنسان سفيهاً أو كان السفه طارئاً بأن بلغ عاقلاً رشيداً ثم طرأ عليه السفه ويمكن رد اختلافهم إلى قولين :
القول الأول: وهو قول الجمهور من الشافعية والحنابلة والمالكية وعند هؤلاء جميعاً يحجر على السفيه لأن السفه سبب للحجر فإذا وجد وجد الحجر(1).
القول الثاني : المنع من الحجر بسبب السفه وهذا هو قول أبى حنيفة والظاهرية(2).
أدلة الجمهور
1. قال تعالى : {فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}(3) فهذه الآية أفادت ثبوت الولاية على السفيه وذلك لا يتصور إلا بعد الحجر عليه .
2. جاء في الأثر: أن الإمام علياً طلب من الخليفة عثمان بن عفان أن يحجر على عبدا لله بن جعفر لتبذيره المال ولو لم يكن الحجر على السفيه جائزاً لما طلب ذلك .
3. الحجر على الصغير يثبت لاحتمال تبذيره وهذا المعنى موجود في السفيه فكان الحجر عليه لازماً كالصغير .
4. السفيه لا يحسن التصرف في ماله فهو في حاجة إلى من يرعاه ويحفظ عليه ماله ولا يتأتى هذا إلا بالحجر عليه كما هو الحكم في الصغير .
5. الحجر على السفيه يدفع الضرر عن الجماعة إذ به يُصان ماله فلا يكون عالة على غيره ولا يتحمل بيت المال نفقته وحيث أن الحجر على الإنسان لدفع الضرر عن الجماعة أمر واجب ولهذا يحجر على المفتى الماجن والطبيب الجاهل فكذا يحجر على السفيه لدفع الضرر عن الجماعة .
أدلة أبى حنيفة
1. إن السفيه مخاطب إذ الخطاب بالأهلية وهى بالبلوغ مع العقل والسفه لا يوجب نقصاً في عقله ولا تمييزه ولهذا يبقى مخاطباً بحقوق الشرع وتصح تصرفاته القولية : كالطلاق والنكاح ويُحبس في ديون العباد ويعاقب على جرائمه .
2. إن الإنسان ببلوغه عاقلاً تكمل أهليته وتتم شخصيته فالحجر عليه في هذه الحالة إهدار لكرامته وإنسانيته وهذا لا يجوز وإذا قيل إن الحجر لمصلحته فالجواب: إن ضرر إهدار آدميته وإلحاقه بالبهائم بالحجر عليه أشد من ضرر إضاعة المال عليه .
3. جاء في الحديث إن رجلاً كان يغبن في البياعات فأتى به أهله إلى رسول الله طالبين منه الحجر فلم يحجر عليه الرسول وإنما أمره أن يشترط لنفسه الخيار في البيع فلو كان الحجر جائز لحجر عليه .
4. أما احتجاجهم بآية : {فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا}(1) فلا حجة لهم فيها لأن الولي هنا ولى الحق لا ولى السفيه .
5. أما الاحتجاج بطلب الإمام على السابق فلا حجة لهم فيه لأن طلبه يحمل على سبيل التخويف لا الإلزام أو يحمل على طلب منع المال عن عبدا لله بن جعفر على اعتبار أن سنه كانت دون الخامسة والعشرين .
6. التبذير معصية والمعصية لا تكون سبباً للرعاية والحجر على السفيه من باب الرعاية له فلا يلزم .
7. أما القول على أن الحجر على السفيه لدفع الضرر عن الجماعة مردود لأن السفيه يتصرف في خالص ماله ولا حق لأحد في ماله حتى يمنع من تصرفه فيه لهذا الحق المزعوم .
القول الراجح
الراجح والذي نميل إليه القول بالحجر على السفيه لأن ظواهر النصوص تؤيد ذلك كما أن في الحجر مصلحة للسفيه بحفظ ماله ودفع الضرر عن الجماعة ولا يقال : أن تصرفه في ماله ولا حق للجماعة فيه لأنا نقول : إن تصرف الإنسان في خالص ماله مقيد بعدم الإضرار بالغير .
· حكم تصرفات السفيه المحجور
حكم السفيه بعد الحجر حكم الصغير المميز في التصرفات القابلة للفسخ: كالبيع والإجارة فتكون موقوفة على الإذن إذا كانت دائرة بين النفع والضرر وباطلة إذا كانت ضارة ضرراً محضاً كالهبة وصحيحة إذا كانت نافعة نفعاً محضاً ويجوز له استحساناً الوصية في وجوه البر ، أما تصرفاته التي لا تقبل الفسخ : كالنكاح والطلاق فتقع منه صحيحة نافذة خلافاً للحكم بالنسبة للصغير المميز .
· موقف القوانين المدنية
تتفق معظم القوانين المدنية على أن السفيه ليس محجوراً لذاته بل لابد من قرار من المحكمة بالحجر عليه فقد أخذ القانون المدني العراقي بذلك(2) فإذا تم الحجر على السفيه كان حكمه في المعاملات المالية حكم الصغير المميز أما قبل الحجر فحكمه حكم البالغ الرشيد إلا إذا وقع التصرف منه قبل الحجر عن طريق الغش والتواطؤ مع الغير ويتفق في ذلك القانون المدني الأردني(3) وكذا القانون المصري كما سبق وذكرنا حيث قضت المادة 65من قانون الولاية على المال السابق الإشارة إليه " يحجر على السفيه بحكم من المحكمة ولا يرفع الحجر عنه إلا بحكم أيضاً " .
خامساً : السكر
السكر هو زوال العقل بتناول الخمر وما يلحق بها بحيث لا يدرى السكران بعد إفاقته ما كان قد صدر منه حال سكره(1)فالسكر يعطل العقل ويمنعه من التمييز وكان ينبغي لذلك أن تنعدم به أهلية الأداء ويسقط عن السكران التكليف ولا يكون مخاطباً بشيء حال سكره ولكن الفقهاء لم يقولوا بهذا في جميع حالات السكر وإنما قصروه على حالة سكره إذا كان بطريق مباح ، أما إذا كان سكره بطريق محظور فقد جعلوه مكلفاً ومؤاخذاً بما يصدر منه على تفصيل واختلاف فيما بينهم على التفصيل الآتي بيانه:
· أولا: السكر بطريق مباح
ويكون السكر بطريق مباحاً : إذا شرب المسكر اضطراراً أو إكراهاً أو عن غير علم بكونه مسكراً أو شرب دواء فأسكره ونحو ذلـك وحكم السكران بهذا الطريق حكم المغمى عليه فلا يكون مكلفاً بأداء شيء من حقوق الله تعالى حال سكره وإنما عليه القضاء بعد إفاقته إن لم يكن في القضاء حرج عليه بأن لم يمتد سكره كما هو الحكم في الإغماء ولا تصح عبارته فلا يترتب على تصرفاته القولية أي أثر .
أما تصرفاته الفعلية فيترتب عليها آثارها بالنسبة لحقوق العباد المالية ، فيؤاخذ بضمان المتلفات نفوساً كانت أو أموالاً لأن النفوس والأموال معصومة فلا تهدر ولا تسقط عصمتها لأي عذر ولا يؤاخذ بأفعاله وجرائمه مؤاخذة بدنية لأن العقاب البدنى مبناه العقل والتمييز والسكران فاقد العقل معدوم التمييز .
· ثانياً : السكر بطريق محظور
واختلف الفقهاء في حكم السكران ومدى الاعتداد بتصرفاته وسبب اختلافهم : هو أن زوال العقل جاء بطريق محرم وعلى هذا الأساس اختلفت أقوالهم في حكم تصرفاته ويمكن إجمالها كما يلي(2):
فيما يخص تصرفاته القولية :
1. ذهب بعض الفقهاء : إلى أن عبارة السكران ساقطة فلا يعتد بشيء من أقواله ولا يترتب عليها أي أثر شرعي فلا يقع طلاقه ولا بيعه ولا شراؤه ولا أي عقد من عقوده وهذا مذهب الظاهرية والجعفرية .
2. تعتبر أقواله ويعتد بها وتترب عليها آثاره الشرعية فيقع طلاقه وسائر تصرفاته القولية ، وهذا مذهب الحنفية والشافعية والمالكية على تفصيل فعند الحنفية تصح أقواله ماعدا الردة والإقرار بما يحتمل الرجوع وعند المالكية: تصح ما عدا الإقرار والعقود إلا أن الجميع متفق على وقوع طلاقه .
فيما يخص أفعاله :
لا اختلاف في أن أفعاله المتعلقة بحقوق العباد يؤاخذ عليها مؤاخذة مالية فإذا أتلف نفساً أو مالاً ضمن ما تلف أما المؤاخذة البدنية أي معاقبته على أفعاله التي تكون جريمة فالجمهور على أنه يؤاخذ بها مؤاخذة بدنية فيقتل إذا قتل ويقام عليه الحد إذا زنى وهكذا .
الأدلة :
أولاً: استدل القائلون بعد الاعتداد بأقواله وعدم معاقبته بدنياً بما يلي :
1. إنه لا يعلم ما يقول بدليل قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}(1) فالسكران لا يدرى ما يقول ومن لا يدرى ما يقول لا يجوز إلزامه بأقواله ولا بشيء من الأحكام .
2. الفهم مناط التكليف وحيث لا فهم فلا تكليف ولا يصح إبقاؤه مكلفاً عقوبة له لأن الشارع أوجب عقوبة له وهى الحد فلا يجوز معاقبته بغيرها أو الزيادة عليها .
3. إن أقل ما يصح به التصرف : القصد أو مظنته وليس للسكران واحد منهما .
4. لا فرق بين من سكر بطريق مباح وبين من سكر بطريق محظور فالاثنان لا عقل لهما ولا تمييز فيجب أن يتساويا في الحكم أما كون الأول سكر بطريق مباح والثاني سكر بطريق محرم فهذا تأثيره في ترتيب العقوبة على السكر فقط ألا يرى أن من كُسرت ساقاه صلى قاعداً ومن كَسر ساقيه بنفسه صلى قاعداً أيضاً ، مع أن الثاني أجرم بكسر ساقيه دون الأول .
ثانياً: استدل القائلون بوقوع طلاقه وسائر تصرفاته القولية ومؤاخذته مؤاخذة كاملة على جرائمه : بأن السكران هنا هو الذي تسبب بإزالة عقله بمباشرته ما هو محرم عليه فلا يستحق بمعصيته التخفيف فيعتبر عقله قائماً تقديراً عقوبة وزجراً له .
ثالثاً : استدل القائلون بالتفريق بين أقواله وجرائمه فلا يؤاخذ بالأولى ويؤاخذ بالثانية مؤاخذة كاملة : بأن إهدار أقواله لا يتضمن مفسدة لأن القول المجرد من غير العاقل لا مفسدة فيه بخلاف الأفعال فإن مفاسدها لا يمكن محوها بعد وقوعها ، فكان إهدارها ضرراً محضاً وفساداً كبيراً وهذا لا يجوز .
رابعاً: استدل الحنفية القائلون بعدم ردته وإقراره بما يحتمل الرجوع بأن الردة تبدل الاعتقاد والاعتقاد لا يرتفع إلا بالقصد إلى تبدله أو بما يدل عليه ظاهراً وهو التكلم في حالة يعتبر فيها القصد وهى حالة الصحو وليس السكران في مثل هذه الحالة فلا يكون قوله دالاً على تبدل اعتقاده فلا يرتد ، أما عدم الاعتداد بإقراره بما يحتمل الرجوع فلأن السكران لا يستقر على أمر فيقام مقام الرجوع ولهذا لو اقر بزناه في حال سكر لم يؤاخذ بإقراره لأن الإقرار بالزنا يحتمل الرجوع أما أدلة الحنفية على صحة أقواله الأخرى فهي نفس أدلة القائلين بصحة أقواله مطلقاً .
خامساً : استدل المالكية على عدم الاعتداد بعقوده وإقراراته : بأن الشرط في صحة العقد تمييز العاقد ولا تمييز للسكران أما في الإقرارات فقالوا إما أن تكون بمال ولا يصح في هذه ا لحالة إقراره بالمال لأنه محجور عليه بسكره وأما أن تكون بغير مال فحديث ماعز(2) يدل على إلغاء قرار السكران أما أدلة المالكية في صحة أقوال السكران الأخرى فهي أدلة القائلين بصحتها .
إن أدلة القائلين بعدم صحة أقوال السكران مقبولة وسليمة لأن اعتبار القول إنما يكون بالقصد ولا قصد للسكران لزوال عقله فلا يعتبر أما إلزامه بقوله على وجه العقوبة فلا يصح لأن العقوبة تقدر من الشارع ولا تقدر بالرأي كما أن السكران لا يعلم ما يقول ومن لا يعلم ما يقول لا يقصد معنى ما يقوله فلا يترتب أثر على قوله كالأعجمي إذا تلفظ بكلمة الطلاق وهو لا يعرف معناها إذن فالراجح هو قول القائلين بعدم الاعتداد بجميع أقوال السكران بطريق محظور مع مؤاخذته عن جرائمه مؤاخذة كاملة .
يجب القول هنا أن السكر لا يعد عارضاً من عوارض الأهلية لدى القوانين المدنية ولم يناقش كعارض من عوارض الأهلية بل كحالات استثنائية(1)وهذه ما سنوضحه في موضعه عند الحديث عن عيوب النظام القانوني لعوارض الأهلية.
سادساً : الإكراه
الإكراه من العوارض المكتسبة لا من فعل الإنسان بنفسه ولكن من فعل الغير به ونوضع مفهومه وأنواعه ومنافاته أو عدم منافاته للأهلية وأثره في تصرفـات المكره أو بيـان حكم تصرفات المكره .
· تعريف الإكراه وأنواعه
عرف الأصوليين الإكراه بتعاريف متقاربة فمن ذلك ما قاله صاحب " التلويح" الإكراه: حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه ولا يختار مباشرته لو خلى ونفسه(2)وعرفه غيره: بأنه حمل الغير على أمر يمتنع عنه بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه ويصير الغير خائفاً به(3)وهذا التعريف تضمن الأمور الواجب توافرها لتحقق الإكراه ومن ثم فهو أوضح من التعريف الأول وقسم الحنفية الإكراه إلى قسمين إكراه ملجىء أو كامل أو تام وإكراه غير ملجىء أو ناقص والأول هو الذي يكون بإتلاف النفس أو بعضو منها لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس تبعاً لها ومن هذا القبيل التهديد بإتلاف جميع المال أو بقتل من يهم الإنسان أمره وسمي هذا النوع من الإكراه ملجئاً لأنه يُلجىء الفاعل ويضطره إلى مباشرة الفعل خوفاً من فوات النفس أو العضو وهو يفسد الاختيار ويعدم الرضا .
أما الإكراه غير الملجىء وهو يكون بما لا يفوت النفس أو عضواً منها كالضرب أو الحبس وهو لا يفسد الاختيار ولكن يعدم الرضا وإنما لم يفسد به الاختيار لعدم الاضطرار إلى مباشرة ما أكره عليه لتمكنه من الصبر على ما هدد به بخلاف الأول .
· هل ينافى الإكراه الأهلية ؟
الإكراه سواء كان ملجئاً أو غير ذلك لا ينافى الأهلية بنوعيها ولا يوجب سقوط الخطاب عن المكره (الفاعل) أما وجه عدم منافاته للأهلية بنوعيها فلأنها ثابتة بالذمة والعقل والبلوغ والإكراه لا يخل بشيء منها وأما إنه لا يسقط به الخطاب عن المكره ( الفاعل) فلأن ما اكره عليه قد يكون إتيانه حراماً عليه حتى إذا فعله أَََثم : كالقتل والزنا وقد يكون فرضاً عليه حتى إنه إذا لم يفعله أثم : كشرب الخمر والميتة .
وقد يكون رخصة حتى إنه إذا فعله لم يأثم ، وإذا صبر ولم يفعله كان مأجوراً : كالنطق بكلمة الكفر ، وكل ذلك أي الحرمة والفرض والرخصة علامة لثبوت الخطاب في حق المكره وكونه مخاطباً لأن هذه الأشياء لا تثبت بدون خطاب التكليف(1).
· أثر الإكراه في تصرفات المكره
قبل بيان أثر الإكراه في تصرفات المكره(الفاعل) أي بيان حكم تصرفاته لا بد من ذكر القاعدة التي تبنى عليها أحكام تصرفات المكره سواء كانت قولية أو فعلية .
القاعدة عند الحنفية أن الإكراه لا أثر له في إبطال وإهدار تصرفات المكرَه(الفاعل) قولية كانت أو فعلية وإنما أثره في تبديل نسبة هذه التصرفات إلى الحامل إن أمكنت هذه النسبة فيثبت الحكم في حقه في هذه الحالة وإذا لم تُمكن النسبة إلى الحامل بقى التصرف منسوباً إلى الفاعل ويثبت الحكم في حقه وإنما تمكن النسبة إلى الحامل كلما أمكن اعتبار الفاعل آلةٌ للحامل وعلى هذه القاعدة تكون تصرفات الفاعل منقسم لقسمين : ما تمكن نسبته إلى الحامل بجعل الفاعل آلة له ، ومالا تمكن نسبته إليه فيبقى منسوباً إلى الفاعل وحكمه عليه فقط .
والقاعدة عند غير الحنفية : أن الإكراه إن كان بحق كإكراه المدين على البيع وفاءً للدين فلا أثر للإكراه هنا ويكون التصرف صحيحاً نافذاً وان كان الإكراه بغير حق ينظر : إن كان الإكراه لا يبيح إتيان ما اكره عليه فالحكم يثبت على الفاعل كالإكراه على القتل ، وان كان الإكراه يبيح إتيان ما اكره عليه سقط الحكم عن الفاعل ونفذ على الحامل إن كان ممكناً نسبة الفعل إليه كما في إتلاف مال الغير وإذا لم تكن نسبته إلى الحامل ممكنة كالأقوال سقط ولم يترتب عليه حكم لا في حق الحامل ولا في حق الفاعل .
والإكراه إما أن يكون قولاً وإما أن يكون فعلاً ولكل منهما حكم يخصه على ضوء القاعدة سالفة الذكر وما نود ذكره في نهاية الأمر هو أن الجمهور متفق على عدم الاعتداد بأي تصرف قولي للمكره سواء أكان لا يحتمل الفسخ : كالطلاق والنكاح، أو يحتمله : كالبيع والإجارة فتقع تصرفات المكره باطلة أما الفعل فإما أن يكون إتيانه محرماً وإما أن يكون فرضاً وإما أن يكون رخصة كما سبق وذكرنا .
في هذا المبحث التمهيدي وضحنا النظام القانوني لعوارض الأهلية وأيضاً عرضنا لعوارض الأهلية في الفقه الإسلامي لكي نقف على عيوب النظام القانوني لعوارض الأهلية ومدى كفايته مقارنة بأحكام الشريعة الإسلامية وبعد أن بينا هذه الأحكام هنا وهناك بقى أن نوضح فيما يلي عيوب النظام القانوني لعوارض الأهلية ومدى كفايته ونقاط الضعف والغموض التي بدت لنا من خلال ما عرضناه آنفاً .
المبحث الأول
clip_image009
يجمع الفقه دون أدنى خلاف على أن مناط الأهلية التي تعترضها العوارض- أهلية الأداء- هو التمييز فالأهلية تدور مع التمييز وجوداً وعدماً ونقصاناً فالأهلية لا تنقص أو تنعدم إلا لصغر سن أو عارض من عوارضها وقد جرت عادة النظم القانونية المقارنة على تسمية أمراض عقليه بعينها(1) أو حالات تفسد تدبير الشخص(2) باعتبارها عوارض الأهلية ولا تتفق النظم القانونية على عدد معين من العوارض بالرغم من اتحاد المعيار لدى جميع النظم القانونية وهو انعدام أو نقص التمييز(3)وقد يختلف قانون مع الأخر في إعطاء الحكم الذي يترتب على نفس العارض(4)ويدل ذلك دلالة واضحة على أن هذه الأوضاع التي يمكن ملاحظتها في هذا النظام القانوني تؤدى إلى عدم وضوح المعايير بالنسبة لكل عارض من عوارض الأهلية وكذلك قصور هذا النظام عن تغطية حالات غير عادلة من التصرفات القانونية فسد تدبير أصحابها رغم عدم وجود عارض من العوارض لديهم في قوانين بلادهم ولتحديد هذه العيوب وإبرازها بالشكل الواضح نقسم هذا المبحث إلى مطلبين :
المطلب الأول : غموض معايير عوارض الأهلية
المطلب الثاني : قصور القوانين المدنية في معالجة عوارض الأهلية مقارنة بأحكام الشريعة الإسلامية
المطلب الأول
clip_image010

تستخدم القوانين المقارنة في الحد الأدنى المتفق عليه فيما بينها في تعداد عوارض الأهلية نفس الأسماء والمصطلحات(5) فلأي مدى تتفق هذه القوانين على المعيار والموضوعيات التي يعتد بها للجزم بوجود العارض من عوارض الأهلية في مختلف القوانين وما هو مفهوم هذه العوارض لدى كل من القوانين على حده نجيب على هذه التساؤلات من خلال هذا المطلب في أربعة فروع نخصصها للجنون والعته والسفه والغفلة .
(الفرع الأول : الجنون )
تجمع القوانين على اعتبار الجنون كمرض عقلي عارضاً من عوارض الأهلية يعدم التمييز ويعدم الأهلية تبعاً لذلك(1) ولم يعرف القانونان الأردني والعراقي الجنون واكتفيا بإلحاق المجنون بالصغير ولذلك فإن تقرير اعتبار الحالة جنوناً من عدمه يركن فيه إلى الأطباء(2) ويعتبر وضع التعاريف عملاً فقهياً وقد كان إيراد بعض القوانين المدنية لبعض التعاريف محطاً للنقد من قبل الفقه ، وكذلك القوانين المقارنة لم تتعرض لتعريف الجنون باعتبار أن الأمر معروف ولا يعرف وتكتفي هذه القوانين إلى الإشارة باعتبار المجنون غير مميز وإعطائه حكم الصغير غير المميز ، ويرى جانب من الفقه أن الجنون اضطراب في العقل يجعل الشخص فاقد التمييز (3) وأن المجنون هو من فقد العقل واختل توازنه وانعدم تمييزه فلا يعتد بأقواله وأفعاله(4) ومن الفقهاء من قال بأن الجنون مرض يعترى الشخص يؤدى إلى زوال العقل(5) أو ذهاب العقل وفقده(6) وقد عرف الفقه الإسلامي الجنون بأنه اختلال في العقل ينشأ عنه اضطراب أو هيجان(7).
وتجمع القوانين وكذلك الفقه على أن المعيار للجنون هو عدم التمييز والمساواة بين المجنون والصغير عديم التمييز في القدرات العقلية من حيث إعطـاء الحكم القانوني وقد نصت المادة 127 مدني أردني والمادة94 مدني عراقي " الصغير والمجنون والمعتوه محجورون لذاتهم " ومعنى ذلك عدم ضرورة صدور حكم بالحجر على المجنون ولكن هذا الحكم محل نظر لأن الصغير حاله معروف ولا يمكن التعامل معه دون سن التمييز أما المجنون فان عدم وجود حكم معلن بالحجر عليه يجعل أمر التثبت من حالته غير ممكن بالنسبة للآخرين لذلك كان حكم القانون المدني المصري بالحجر عليه كما ورد بنص المادة 113 مدني .
رغم أن ظاهر النصوص والبساطة التي تعاملت بناء عليها في حالة الجنون وإجماع رأى الفقه حول المسألة يوحيان بأن حالة الجنون كعارض أهلية لا يشوبها أي غموض أو عيب ينعكس على تطبيق النصوص إلا أن تساؤلات تطرح وتكشف عن عدم كفاية النصوص القانونية التي تنظم حالة الجنون كعارض أهلية فمن المؤكد بأن القضاء لا يملك تقرير إصابة الشخص بالجنون كمرض وأن ذلك من اختصاص الأطباء الذين يمكن الاستعانة بهم كخبراء ، والجنون يفترض بأنه عندما يقرر بأن شخصاً قد أصيب به أن تمييزه أصبح معدوماً فهل يكفى انعدام التمييز دون تقرير حالة الجنون ووجودها كمرض حتى يحجر على الشخص ؟ الجواب بالطبع سيكون بالنفي لأن الحكم ورد خاصاً بالجنون ولم يذكر عدم التمييز بعد سن الرشد دون اقترانه بالجنون وبناء عليه هل يحجر القضاء على من فقد التمييز بعد سن الرشد رغم أنه ليس مجنوناً أو معتوهاً ؟؟
ومثال ذلك حالة السكر الشديد أو الإدمان على المخدرات فإذا ثبت بأن التمييز ينعدم في مثل هذه الحالات أو ما يشابهها فما هو المبرر إذن في الإبقاء على التمسك بضرورة كون الشخص مجنوناً حتى ينطبق حكم القانون على تصرفاته ؟ وأين العدالة في إقرار التصرف الذي انعدم تمييز صاحبه عندما لا يكون مجنوناً أو معتوهاً ؟ فإذا كان هناك وسيلة للمساواة وعدالة الحكم أكثر فإنه يصبح من الواجب الاعتراف بعدم كفاية النصوص والإقرار بضرورة البحث عن نظـام قانوني آخر .
(الفرع الثاني : العته)
كما أشرنا سلفاً فإن مهمة وضع التعريفات مهمة فقهية ولا يحبذ للقوانين أن تضطلع بها ولذلك لم يعرف القانون المدني الأردني العته وكذا القانون المدني العراقي وبناء عليه يعتد بتقارير الأطباء لتحديد كون الشخص معتوهاً أو غير معتوه(1) وكذلك القوانين الأخرى تذكر العته ثم تحدد الحكم القانوني لحالة المعتوه وتصرفاته ولا تساعد القوانين حقيقة على إعطاء معيار لقدرات المعتوه العقلية بل على العكس تماماً اختلفت الأحكام الخاصة بالعته في القوانين المختلفة وألقت بظلاله على غموض المعيار الذي يعتبر الشخص بموجبه معتوهاً أو على ماهية العته بشكل عام فالقانون المدني الأردني يعطى المعتوه حكم الصغير المميز ( المادة 128مدنى مدني) وكذلك القانون اللبناني (المادة 978من المجلة) والقانون العراقي أيضاً (المادة 107مدنى عراقي) .
هذا في حين يعطى القانون المصري المعتوه حكم المجنون وهو حكم الصغير عديم التمييز ( المادة 45 مدني مصري ) وكذلك القانون السوري ( المادة 47 مدني سوري ) والقانون الليبي ( المادة 45 مدني ليبي ) هذا الاختلاف الواضح لحكم العته من حيث تقدير قدرات المعتوه العقلية يوحى بأنه لا يوجد هناك معياراً واضحاً يتحدد بموجبه مفهوم العته لدى المشرع ويعرف الفقه العته بأنه نوع من الجنون الهادىء وأن المعتوه هو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير ولكن لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون(2) ويرى الفقه أيضاً بأن العته هو نقصان العقل واختلاله لا زواله بالكلية كالجنون بحيث يشبه من يصاب به العقلاء من ناحية والمجانين من ناحية أخرى(3) ويرى جانب من الفقه أن الفرق بين العته والجنون أن العته ضعف في العقل ينشأ عنه ضعف في العقل والإدراك ، أما الجنون فهو اختلال في العقل ينشأ عنه اضطراب أو هيجان(4) والقضاء أيضاًَ يرى أن العته آفة تصيب العقل فتعيبه وتنقص من كماله(5) وعارض الأهلية المسمى العته هذا يدل دلالة واضحة على عدم وجود معيار واضح لدى المشرع ودليل ذلك اختلاف القوانين في إعطائه الحكم رغم أنه نفس المرض .
ويعتبر كلاً من القانونين الاردنى والعراقي المعتوه محجوراً لذاته كالصغير والمجنون ( القانون المدني الأردني المادة 127والعراقى المادة 94) ولذلك يتولى أمر المعتوه بناء على ذلك وليه الطبيعي أبوه أو جده وعند عدمهما تنصب المحكمة وصياً عليه في حين لا يعتبره القانون المصري كذلك ويستلزم صدور حكم بالحجر عليه من المحكمة لاعتبارات عدم معرفة الناس بالمعتوه أحياناً وعدم ظهور علامات المرض عليه كالمجنون غير المطبق ( المادة 113 مدني مصري ) والعته كمرض عقلي وهو الجنون الهادىء الذي يجعل المعتوه يشبه العقلاء يجعل عملية تحديد وجود المرض مشوبة بالمحاذير فالاختلاطات النفسية مثيرة فان قلنا أن القاضي سيكتفي بذهاب عقل المصاب دون هيجان ليقرر وجود العته فقد يوافق ذلك ما ذهب إليه القانون المصري والسوري والليبي من حكم حيث جعل حكم المعتوه هو حكم عدم التمييز ولكن كيف سيكون الأمر بالنسبة للقانون الأردني إذا ما بحث القاضي عن ذهاب العقل وعدم الفهم ليقرر بعد ذلك بان حكم تصرفاته حكم تصرفات الصبي المميز وكذا القانون العراقي واللبناني ثم ماذا تختلف حالة المعتوه بالنسبة لذهاب العقل وعدم الفهم في حالة مدمن المخدرات أو من هو في حالة السكر هناك غموض في معنى العته وبالذات لدى المشرع الأردني ولربما كان هناك توافق وانسجام لو أننا استعضنا بمعيار موضوعي تقرر بناء عليه الحكم بخصوص عوارض الأهلية .
(الفرع الثالث : السفه)

لم تعرف القوانين المدنية السفه كعارض أهلية ولكن هذه القوانين تجمع على اعتبار السفه سبباً لنقص الأهلية وتعطى السفيه حكم الصبي المميز وتتفق القوانين الحديثة كلها والفقه الحنفي على أن السفيه ليس محجوراً لذاته وإنما تحجر عليه المحكمة إذا بذر وأسرف ماله(1) ويأخذ بهذا الحكم القانون المدني الأردني والعراقي والمصر ى (المواد 127/1أردنى ، 95عراقى ، 115/1) وجاء في المذكرات الإيضاحية للقانون المصري تعريف للسفه بأنه خفة تعترى الإنسان فتحمله على العمل على خلاف مقتضى العقل والشرع وقد غلب اصطلاح السفه على تبذير والمال وإتلافه على خلاف مقتضى العقل والشرع(2) ويعرف جانب آخر من الفقه(3) السفه بقوله : السفيه هو المغلوب بهواه فيعمل بخلاف موجب العقل والشرع مع قيام العقل حقيقة .
والسفه ليس له محددات موضوعيه أو أعراض ظاهرة تجعل منه مرضاً يصيب العقل أو النفس كالجنون أو العته ولا يستدل عليه إلا من خلال معيارية التصرف القانوني الذي حاد عن التصرف العادي حتى أصبح خارجاً عما يقبله من ليس به ما يخرجه عن تصرفات الرجل العادي ولذلك يعتبر السفه مثالاً حياً لما نقول به من استخدام المعيارية الموضوعية لإطلاق الحكم على التصرفات التي لا نريد لها النفاذ بسبب ما نسميه عوارض الأهلية فالسفه ليس مرضاً ولكنه معياراً موضوعياً لبيان تصرفات شخص لا يريد القانون لتصرفه النفاذ لعدم عدالتها بالنسبة للشخص المتصرف نفسه وخلفه من بعده .
ونجد ما يؤيد اعتبار السفه فكرة معيارية في ما ورد لدى المشرع المصري في مذكراته الإيضاحية من قوله " وفكرة السفه ليست من قبيل الفكرة المقيدة المنضبطة المضمونة وإنما هي فكرة معيارية يرجع فيها إلى التجارب الاجتماعية وما يتعارف عليه الناس في حياتهم وهى تبنى بوجه عام على إساءة استعمال الحقوق وقد يستخلص قيام السفه من تصرف الإنسان على خلاف ما يقتضيه الشرع كالإدمان على المقامرة وقد يستخلص من إتباع الهوى ومكابرة العقل ولو كان التصرف مشروعاً كالإسراف في التبرعات(1) والحق يقال أن السفه كفكرة معيارية تفتح الباب واسعاً لرد الكثيرين وثنيهم عن تبديد المال من خلال المعيار الذي أعطى بموجب فكره السفه والسفه كعارض أهلية لا يتوقف فيه القاضي أمام محددات وأعراض تعترى الشخص السفيه ولكن يستدل على سفهه من تصرفاته القانونية وتبذيره للمال على غير مقتضى العقل أو لغرض لا يعده العقلاء من أهل الديانة غرضاً ولا نرى عيباً في معيارية هذه الفكرة للحكم على التصرفات لأن القاضي لن يتوقف ليتأكد من السفه كما يتوقف ليتأكد من الجنون بل يكتفي القاضي بالاستدلال على وجود عارض الأهلية من خلال معيار إنفاق المال على غير مقتضى العقل ولربما كان وضع المعيار هذا وذكره وصفاً في القانون دون ذكر كلمة السفه يكفى للوصول إلى نفس النتيجة التي يتم التوصل إليها من خلال النصوص القانونية على الوضع الذي يذكر السفه كعارض أهلية وقد تكون هذه الفكرة المعيارية إذا ما جرى تحسينها والعمل على منوالها في عوارض الأهلية الأخرى وسيلة للتخلص من عيوب النظام القانوني لعوارض الأهلية .
(الفرع الرابع : الغفلة)

كما ورد في عوارض الأهلية الأخرى لم تعرف القوانين المدنية الغفلة كعارض أهلية وتجمع هذه القوانين على إعطاء الغفلة حكم السفه في القانون ويُعرف ذو الغفلة عادة بأنه هو الذي يصدق كل ما يقال له ولا يهتدي إلى التصرفات الرابحة المفيدة فيغبن في المعاملات لسلامة نيته(2) ويرى جانب من الفقه أن ذي الغفلة هو الذي لا يهتدي إلى خيره إذا تصرف فلا يعرف التصرف الرابح من الخاسر فيُجدع بسهولة في المعاوضات ويغبن(3) وقد عرفت محكمة النقض المصرية الغفلة بأنها ضعف بعض الملكات الضابطة للنفس ترد على حسن الإدارة والتقدير ويترتب على قيامها بالشخص أن يغبن في معاملاته مع الغير(4) والفقه الإسلامي يدخل الغفلة في عداد السفهاء لأن فيها إضاعة المال ولا يعتبر الغفلة عارضاً مستقلاً من عوارض الأهلية والى ذلك ذهب القانون اللبناني حيث يدخل الغفلة في عداد السفهاء كما هو واضح من نص المادة 946 من مجلة الأحكام العدلية والذي ورد فيها بأن السفيه " هو الذي يصرف ماله في غير موضعه ويبذر في مصارفه ويضيع أمواله ويتلفها بالإسراف والذين يغفلون في أخذهم وإعطائهم ولم يعرفوا طريق تجارتهم وتمتعهم بسبب بلاهتهم وخلو قلوبهم يعدون أيضاً من السفهاء " .
والحقيقة أن الغفلة كعارض أهلية أقره الكثير من القوانين منها الأردني والمصري والعراقي والسوري والليبي في نفس النصوص التي أقر فيها اعتبار السفه عارض أهلية والمشار إليه أنفا وهذا العارض كما السفه تماماً لا يستدل عليه بأعراض جسمية أو نفسية مرضية في الشخص وإنما هي فكرة معيارية ينطبق عليها من حيث تقييمها ما قلناه في السفه آنفاً(1) .
هذه هي عوارض الأهلية التي أقرتها القوانين المدنية واعتدت بها وسمتها نفس التسميات نقلاً حرفياً عن بعضها البعض مع اختلاف في الحكم بخصوص العته كعارض فيما بين القوانين(2) ومن باب تفضيل القوانين لعدم التعرض للتعريفات وترك المهمة للفقه أو بيان مفهومها وفى معرض توجيه القاضي لتطبيق الحكم يعمد المشرع في هذه القوانين إلى المعايير الموضوعية للاستدلال على وجود هذه العوارض وبذلك لا تكفى هذه المعايير لوحدها إن لم يجزم القاضي بأن الشخص مجنوناً أو معتوهاً علماً بأن القوانين تخلصت من هذا الوضع بخصوص السفه والغفلة إذ يكتفي بالمعيارية الموضوعية دون الجزم بوجود علامات ظاهرة للسفة أو الغفلة والاختلاف بين القوانين بخصوص العته يدل دلالة واضحة على غموض مفهوم العته وان جرى تعريفه من الفقه والا لماذا يعطى حكما مختلفا من قانون لأخر مع أنه نفس العته وقدرات المعتوه العقلية واحدة .
لعل هذه العيوب ناتجة عن تسمية عوارض الأهلية وعدم الأخذ بالأفكار المعيارية المحضة مدعاة للتفكير بالبديل ولكن ذلك لن يكون كاقتراح إلا إذا ظهر قصور النظام القانوني لعوارض الأهلية من خلال الدراسة الآتية وسنعمد لبيان هذا القصور إن وجد من خلال استعراض الحالات التي يجب أن تندرج تحت عنوان عوارض الأهلية فإن ظهر القصور في القوانين المدنية فإن ذلك سيكون دليلاً آخر على عدم دقة هذا النظام القانوني ولن نلجأ إلى افتراض الحالات التي يجب أن يشملها نظام عوارض الأهلية ولكننا سنعمد إلى النظم القانونية المقارنة نفسها من أجل استخراج الحالات التي تعتبرها هذه النظم من عوارض الأهلية لنجرى من خلال ذلك عملية مقارنة بين هذه الحالات وما تضمنته القوانين المدنية ولن نجد نظاماً أرحب وأكثر دقة من الشريعة الإسلامية لإجراء المقارنة بينه وبين القوانين المدنية وهذا ما سيكون موضوع المطلب الثاني .
clip_image011 المطلب الثاني


لقد أجمعت النظم القانونية على اختلافها أن مناط الأهلية هو التميز وجوداً وعدماً ونقصاناً ومقتضى ذلك أن أي عارض يؤدى إلى انعدام التميز أو الانتقاص منه يعتبر عارضًا من عوارض الأهلية ولذلك تجمع مختلف القوانين على اعتبار الجنون مثلاً عارضاًَ من عوارض الأهلية والاستطراد المنطقي يؤدى إلى القول بأن التميز وانعدامه أو نقصه عند الإنسان موجود ومعروف عند كل بنى البشر وبالتالي فان عوارض الأهلية التي يذكرها نظام قانوني معين يجب أن تكون في كل النظم القانونية الأخرى ومهما اختلفت المناطق والدول ولذلك فإن نظرة فاحصة في نظام قانوني معين وإحصاء عوارض الأهلية فيه يؤدى إلى مقولة أن أحدهما أفضل من الأخر إن اختلف العدد ودقة تنظيم ا لمسألة وبتالي وسم أحدهما بالقصور في معالجة عوارض الأهلية ولم نجد نظاماً قانونيا كان الفقيه فيه دقيقاً رحبًا واسعاً أكثر من الشريعة الإسلامية لذلك سوف نخصص هذا المبحث لبيان عوارض الأهلية في فقه الشريعة الإسلامية ومقارنة القوانين المدنية معه لبيان قصور النظام القانوني في القانون المدني وسوف نقسم هذه المطلب إلى فرعين نخصص الأول لبيان حالات الاتفاق بين الشريعة الإسلامية وفقهها والقوانين المدنية ونخصص الثاني لأوجه الاختلاف موضحين أوجه القصور والنقص من خلال هذه المقارنة .
الفرع الأول : حالات الاتفاق بين ا لشريعة الإسلامية وفقهها والقوانين المدنية
الفرع الثاني : حالات الاختلاف بين الشريعة الإسلامية وفقهها والقوانين المدنية

الفرع الأول : ( حالات الاتفاق بين الشريعة الإسلامية وفقهها والقوانين المدنية)
لا خلاف على الإطلاق بين القوانين المدنية في اعتبار الجنون عارضاً من عوارض الأهلية(1) وقد أشرنا إلى ذلك في المبحث الأول من هذا الفصل ولا حاجة للتكرار ، وقد أثبت فقه الشريعة الإسلامية أيضا الحجر على المجنون حفظاً لمصلحته ولا يختلف عن ذلك ولا ينكره أحد من فقهاء الأمة في الإسلام حيث تكلمت هذه المذاهب مجتمعة عن الحجر على المجنون بما في ذلك الطوائف الشيعية والجعفرية(2) ومراد إجماع الفقه الاسلامى هو الحديث الشريف في رواية أبو داود عن على كرم الله وجه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ( رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ) ولم تنكر ذلك التشريعات الإنجليزية(3) ولا اللاتينية (المواد 489مدنى فرنسي وما بعدها) ولا الشريعة الجرمانية أيضا ( المادة 104مدنى ألماني ) معنى ذلك أن الجنون مما هو متفق عليه بين الشريعة الإسلامية وسائر الشرائع باعتباره عارضاً من عوارض الأهلية .
وقد أجمعت القوانين المدنية على اعتبار العته عارض أهلية مع اختلاف فى تصنيف هذا العارض باعتباره مما يعدم الأهلية أو يؤدى إلى نقصها ، والشريعة الإسلامية التي تعتبر أن العقل أساس الرضا الحقيقي فى العقود والتصرفات القولية وعلى اعتبار أن الصغير لا يملك أهلية الأداء بسبب نقصان عقله كالمجنون والمعتوه(1) ورغم هذه المقولة الذي نحترمها إلا أن حكم المجنون فى الشريعة كان مصدره النص وهو الحديث الشريف(2) أما العته فيمكن اعتبار مصدر حكمه القياس الذي هو إعطاء حالة منصوص عليها لحالة غير منصوص عليها لاتحاد العلة بينهما(3) كذلك يتفقه فقه الشريعة الإسلامية مع القوانين المدنية فى اعتبار السفه عارض أهلية ، وتعتبر القوانين المدنية الغفلة أيضاً عارضاً من عوارض الأهلية وكذلك فقه الشريعة الإسلامية وان كان الفقه الاسلامى يعتبر الغفلة نوع من السفه وان حكم السفه ينطبق على ذي الغفلة لأن فى الغفلة معنى إضاعة المال(4) .
وتتفق القوانين المدنية مع فقه الشريعة الإسلامية فى تقرير حكم الحجر على المدين المفلس (5) لأن الحجر على المدين المفلس وان اعتبره بعض فقهاء الشريعة الإسلامية(6) من عوارض الأهلية فإن القانون المدني الأردني يعتبره وسيلة من وسائل المحافظة على الضمان العام(7) كذلك تقيد القوانين المدنية تصرفات المريض مرض الموت(8) ليس باعتباره عارض أهلية كما يرى بعض الفقهاء فى الشريعة الإسلامية(9) ولكن باعتبار التصرف فى مرض الموت يؤثر على حقوق الورثة(10) خلاصة القول بالنسبة للحجر على المدين المفلس وتصرف المريض مرض الموت أن القوانين المدنية والشريعة الإسلامية وان نظمت هذين الموضوعين إلا أنهما لا يتفقان على اعتبارهما من عوارض الأهلية فإننا لن نعتبر فقه الشريعة الإسلامية بتعداده للدين المستغرق ومرض الموت من عوارض الأهلية وتسميتها كعوارض أهلية قد زاد على ما هو فى القوانين المدنية لأن القوانين المدنية تأخذ بهاتين الحالتين ليس على أساس أنهما من عوارض الأهلية ومادام الأمر يؤدى إلى نفس النتيجة فى الحالتين سواء تم اعتبارهما من عوارض الأهلية أم لا فإننا لن نعتبر فقه الشريعة الإسلامية قد زاد فى عوارض الأهلية على القوانين المدنية فى حالتي الدين المستغرق ومرض الموت ولكنا فى نفس الوقت نستطيع القول بأن فقه الشريعة الإسلامية اتفق مع القوانين المدنية فى اعتبار الجنون والعته والسفه والغفلة من عوارض الأهلية ولا يسجل قصور هنا على القوانين المدنية فى تنظيمها لعوارض الأهلية من حيث عددها .



الفرع الثاني: (حالات الاختلاف بين الشريعة الإسلامية وفقهها والقوانين المدنية)
أصول مصادر الحكم أو ما يسمى بالأدلة(1) فى الشريعة الإسلامية تتعدد وتفتح مجالاً واسعاًَ رحباً للأحكام فى مسائل حياة الأفراد ومعاملاتهم لأن الدليل فى الاصطلاح الشرعي هو ما يمكن التوصل بالنظر فيه إلى الحكم الشرعي فقد أنزل الله تعالى كتاباً تبياناً لكل شيء تفصيلاً فى بعض الأحكام وإجمالاً فى البعض الآخر وجاءت السنة الموحى بها شارحة ومبينة ومكملة لما أنزل الله تعالى فى الكتاب ثم اذن فى الاجتهاد لاستنباط الأحكام التي لم يصرح بها فى النصوص(2) وهى أدلة عشرة الكتاب ، السنة ، الإجماع ، القياس ، الاستحسان ، الاستصلاح ( المصالح المرسلة ) ، العرف ، قول الصحابة ، شرع من قبلنا ، الاستصحاب(3) وهذه الأدلة أو المصادر تفتح باباً واسعاً لاستخدام العقل واستنباط الحكم وبناء عليه كانت عوارض الأهلية فى الفقه الإسلامي أكثر اتساعاً واشمل فى تغطية الحالات من القوانين المدنية فهذه العوارض كما يراها الفقه الاسلامى تنقسم إلى عوارض سماوية ليس للإنسان اختيار فيها وعوارض مكتسبة وهو ما يكون للإنسان دخل فيها وليس لهذا التقسيم ثمة ثمرة تنشأ عنه فى الأحكام وإنما هو فيما يظهر لمجرد الترتيب والعوارض السماوية يعد منها كما سبق وذكرنا الجنون والعته والنوم والإغماء ومرض الموت والمكتسبة كالسكر والسفه (4) والمديونية بدين مستغرق والإفلاس(5) وبمقارنة ذلك مع ما ورد من عوارض أهلية فى القوانين المدنية نجد أن الفقه الإسلامي يزيد فى عوارض الأهلية عما ورد فى القوانين المدنية حالات الإغماء والنوم والسكر والرق على اعتبار أن القوانين المدنية نظمت حالات مرض الموت والدين المستغرق وان كان ذلك تحت مسميات غير عوارض الأهلية .
بالنظر إلى هذه العوارض الزائدة فى الفقه الاسلامى عن القانون يمكن استخراج عارض الرق جانبًا إذ لم يعد له وجود قانوني حتى يصار النظر فيه إن كان يصلح اعتباره من عوارض الأهلية أم لا ، أما الإغماء والنوم فلا يتصور الحديث عن تصرفات قانونية خلال وجود الشخص فى اى حالة منهما ، وفقه الشريعة الإسلامية يعتبرهما عوارض الأهلية باعتبار أن الأهلية مناط التكليف فى سائر الأمور التي يكلف بها الشخص بموجب الأحكام الشرعية (عبادات ومعاملات)(6) وعليه يمكن الحديث عن عارض أهلية بالنسبة للصلاة والعبادات كالنوم والإغماء ، والحقيقة جرت العادة لدى المؤلفين فى كتب أصول الفقه أن يذكروا من جملة عوارض الأهلية حالات أخرى كثيرة غير ما ذكر كعوارض أهلية مثل الصغر والنسيان والموت وفى النساء الحيض والنفاس ويضيفون أيضاً على عوارض الأهلية السفر والجهل والخطأ والهزل ، إلا أن جانباً من الفقه الإسلامي يقول عن هذه الحالات بأنها لا يصح أن تعد من عوارض الأهلية فى شيء وان كان لها تأثير منعي فى بعض التكاليف الشرعية وأحكام استثنائية(7) .
هذه العوارض أيضاً مما يتعلق بالعبادات ولن نتوقف عندها فى إجراء المقارنة مع القوانين المدنية ويسميها الفقه(1) موانع وليس عوارض أهلية فعدم إيجاب الحكم الشرعي وعدم صحة الفعل لا يتعين أن يكونا ناشئين عن نقص فى الأهلية بل قد يكونا ناشئين عن فقدان بعض الشرائط أو وجود بعض الموانع الشرعية وفرق عظيم بين فقدان الأهلية أو نقصها وبين انتفاء الشريطة أو وجود المانع والا وجب أن تعتبر الجنابة أو النجاسة المانعة من صحة الصلاة عارضاً من عوارض الأهلية قياسا على الحيض الذي يمنع صحة الصوم ولا يسقطه وهذا غير مقبول ولا معقول والضابط فى التميز أن ينظر إلى طبيعة العارض فإن كان له تأثير فى ملكات الشخص العقلية وقابلياته كالجنون والعته أو تأثير فى سلطته الشرعية يقتضى حماية الحقوق من تصرفاته كالسفه حينئذ يكون من عوارض الأهلية والا فهو من الموانع و من قبيل فقدان بعض الشرائط(2) .
بمعنى أننا سنعرض لحالة السكر باعتبارها عارض أهلية لدى فقه الشريعة الإسلامية بمعنى عارض على القدرات العقلية يؤثر على تصرفات الشخص فى الأداء وبذلك نعتبره عارضا تزيد فيه الشريعة الإسلامية على القانون المدني أما حالة الإغماء التى ذكرت وان كان لا يتصور ابتداء تصرفاً من مغمى عليه إلا أن هذه الحالة ذكرت لدى الفقه الاسلامى كعارض بالنسبة للتكاليف الشرعية .
السكر ليس جديدا على القانون بالنسبة لترتيب أثار قانونية عليه وخصوصا فى إطار المسئولية فى القانون الجنائي(3)فالقانون الجنائي يعتبر السكر مانعاً من المسئولية إذا نتج السكر عن سبب طارىء أو قوة قاهرة وأدى لفقد الوعي أو الإرادة فى لحظة معاصرة لارتكاب الفعل الإجرامي(4) والسكر حالة عارضة ينحرف فيها الوعي أو تضعف السيطرة على الإرداة نتيجة لمادة أدخلت فى الجسم فالسكر أو التسمم حالة نفسية وان كان مرجعها إلى تأثير مواد معينة على الجسم خاصة خلايا المخ وهو حالة مؤقتة(5) ، السكر إذن مانع من مسئولية الشخص عن جريمة ارتكبها وحسب الشروط التى يعتد بها القانون لذا نتج عن سبب ليس لمرتكب الجريمة دور فيه كأن تدس له المادة المسكرة بطعام أو شراب (6)هذه الحالة تعطى أمامنا نوعاً جديداً من الأشخاص يمر أحدهم بحالة وهى السكر يفقد الوعي والإدراك وجعل قانوناً مانعاً من المسؤولية عن الجرائم لأن صاحبه لا يعي ما يفعله ذلك أن قدراته العقلية تتعطل فإما أن نقول عليه منعدم التمييز وهذا هو الأرجح لأن القانون الجنائي عاملة معاملة الطفل عديم التمييز وهو الذي لم يتم السابعة(7) والقانون الجنائي أيضا قرنه بالجنون فى كونه مانعا من المسئولية فلماذا لا نتوقف عند هذه الحالة التى اعتبرها الفقه الاسلامى عارضًا من عوارض الأهلية ويعتبرها القانون الجنائي الذي ليس له علاقة بالشريعة الإسلامية ويصدر عن نفس المشرع التى تصدر عنه القوانين المدنية مانعًا من موانع المسؤولية يعدم الوعي ويساوى الحالة بالجنون وعديم التمييز بالنسبة للصغير.
هب أن شخصا دست له مادة مسكره فى شراب ثم أبرم عقودًا وهو تحت تأثير حالة السكر وثبت أنه سكران فى تلك اللحظة فلم لا يقال بأنه عارض يعدم أهلية الأداء ، وزيادة فى التحوط وحتى لا يقال بان ذلك قد يكون مدعاة لسوء النية من المتعاقدين لأن يتعاطى المواد المسكرة ثم يذهب لإبرام العقد ليطعن مستقبلاً بأنه عديم الأهلية إن وجد بأنها غير مناسبة له ولكن خطة القانون الجنائي مع السكر تخلصنا من هذا الفرض أو التخوف بحيث نعتبر من يسكر بإرادته على نية الذهاب للتعاقدات فهو يعلم بأن السكر يؤثر على ملكاته ولكنه قبل وبالتالي لا نعتد إلا بالسكر الذي ليس لإرادة المتعاقد دورًا فى إحداث حالته بتناول المسكرات ألا يعتبر ذلك قصورًا فى تنظيم القوانين المدنية لعوارض الأهلية عندما يكون الشخص منعدم التمييز لأسباب ليس لإرادته فيها دور ومع ذلك نقر تعاقداته لأنه ليس مجنوناً أو معتوهاً .
وماذا عن الأمراض العقلية الأخرى غير الجنون والعته ، فالعلم الآن يتكلم عن أمراض ليست من الجنون والعته فى شيء ولكنها تضعف الإرداة ومثال هذه الأمراض انفصام الشخصية الذي يؤدى إلى بلادة فى الشعور وانقسام فى التفكير (1) كذلك البارانويا وهى التى تتسلط على الشخص فيها أفكار يستحيل عليه الفكاك منها توجهه لتصرفات وأفعال وفقاً لهذه الأفكار التسلطية غير المتفقة مع التفكير السليم والعقل السليم (2) وفقه القانون الجنائي يعتبر أن الجنون يتسع فى تفسيره لحالة الشخص الواقع تحت تأثير التنويم المغناطيسي الذى توجهه ارداة الشخص المنوم ( برفع الميم الأولى)دون أن يكون له اختيار(3) ألا تعتبر هذه الأمراض كلها أو بعضها معدمة للتميز أو على الأقل تفسد تدبير الشخص مع أنها ليست جنوناً ولا عتهاً ولا سفهاً ولا غفلة .
ألا يمكن الجزم مع هذه الحقائق بالقول بأن نظام عوارض الأهلية فى القوانين المدنية مشوب بالقصور وأن هناك حالات ينعدم فيها التميز أو يفسد فيها التدبير دون أن يكون نظام عوارض الأهلية بقادر على تغطيتها ألا يعتبر تصرف السكران الذى لم يكن له دور فى سكره غير عادل بالنسبة له أو لخلفه يمكن القول بأن السكر عارض أهلية يجب الاعتداد به ؟
ماذا يمكن أن يكون الحل بعدما انتهينا من بيان النظام القانوني المصري لعوارض الأهلية وبينا عوراض الأهلية فى الفقه الإسلامية ومقارنتها بالقوانين المدنية فما هو الحل إذن إذا قلنا بأن هذا النظام ليس بالمثالي فمعاييره يشوبها الغموض وحالاته يشوبها القصور عن تغطية كل الحالات العادلة التى يجب ألا تنفذ تصرفات صاحبها لأنها صدرت ممن أصابه الخلل فى قدراته العقلية لقد ثبت لنا ما نقول بعد بيان أوجه المقارنة بين النظام القانوني وموقف الفقه الاسلامى ، سوف نعمد إذن لبيان اقتراح لنظام عوارض الأهلية نستطيع استنتاجه من خلال نظام عوارض الأهلية فى الأنظمة القانونية نفسه ومن خلال المعايير التى اعتمدتها هذه القوانين والشريعة الإسلامية وسيكون هذه هو موضع دراسة المبحث الثاني الذي سيكون تحت عنوان منظور مستقبلي لنظام متكامل لعوارض الأهلية ونخصصه لمطلبين الأول نناقش فيه المعايير الموضوعية لنظام عوارض الأهلية أما الثاني فنناقش فيه النظام المعياري المقترح .
المبحث الثاني
clip_image012
الأهلية هنا هي أهلية الأداء(1) وهذه الأهلية تنسب للشخص الطبيعي (الإنسان)(2) وتعرف هذه الأهلية بأنها صلاحية الشخص لأن يباشر بنفسه الأعمال القانونية القضائية والعوارض لهذه الأهلية وفقاً لما هو معروف لدى الفقه والقوانين المدنية وهو كل ما يمكن أن يعدم هذه الأهلية أو ينتقص منها بمعنى عدم قدرة الشخص الذى يتحقق به عارضًا من عوارض الأهلية من إجراء التصرفات القانونية ومنعه بالكامل إن كان عديم الأهلية أو عدم نفاذ تصرفات الشخص إلا بإجازة نائب قانوني ، ولى أو وصى أو قيم إذا كان ناقص الأهلية(3) ، وللوصول لنظام متكامل لعوارض الأهلية لابد أن نوضح الأساس القانوني لنظام عوارض الأهلية ونقصد بالأساس هنا العلة أو الحكمة التى اعتبر العارض لأجلها واعتد به القانون ، ننطلق من النتيجة التى وجدت عوارض الأهلية لأجلها وهى المنع كلياً من إبرام التصرفات القانونية أو عدم نفاذ التصرفات إلا تحت إشراف الغير وهذه النتيجة تحققت وهى المنع من التصرف كليًا فى شخص آخر غير ما توافر به عارض أهلية وهو الصغير عديم التمييز دون السابعة(4) وتحققت نتيجة عدم انفاذ التصرفات فى القاصر الذى بلغ سن التميز ولم يبلغ سن الرشد(5) وبناء عليه سوف نتحرى دوافع القانون أو لنسمها العلل أو الحكم التى جمع فيها بين الصغير والمجنون (والمعتوه أحياناً)وجمع بناء عليه بين القاصر والسفيه وذي الغفلة فلعل ذلك يهدى إلى العامل المشترك الذى سنسميه الأساس القانوني ثم نحاول استعمال هذا الأساس لاستخراج معيار موضوعي مجرد نقترح بموجبه نظام عوارض الأهلية بطريقة جديدة وعليه سنقسم هذا المبحث إلى مطلبين :
المطلب الأول : المعايير التى تحدد بناء عليها عوارض الأهلية
المطلب الثاني : النظام المعياري المقترح
clip_image013 المطلب الأول

كما ذكرنا آنفاً فقد جمعت القوانين بين الصغير غير المميز والقاصر ومن تحقق به عارض أهلية فى إطلاق حكم القانون على تصرفاتهم جميعاً وعليه سنبدأ بالصغير غير المميز لنرى أن معيار منعه من التصرف هو انعدام تمييز الصغير(6)وانعدام التميز تقرر وجوده لمجرد كون الصغير دون السابعة منعدم التميز ويلحق بحكم الصغير المجنون والمعتوه فى بعض القوانين(7)لأن الجنون والعته يؤديان إلى انعدام التمييز وانعدام التمييز سببه أن الجنون والعته أمراض تذهب العقل(8) بمعنى أن القدرات العقلية اعتبرت كما قدرات الصغير الذى لم يبلغ السابعة من عمره ويقابل ذلك تماما حكم تصرفات القاصر الذى بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد .
حيث جرت المساواة بين حكم تصرفات القاصر والسفيه وذي الغفلة باعتبارهم جميعا ناقصي أهلية وأرجعت العلة فى ذلك إلى فساد تدبير السفيه وذي الغفلة وعدم قدرة القاصر على تدبير أموره فى المعاوضات، ومسيرة المشرع فى تدرجه عندما يبدأ فى تحديد الحكم للصغير غير المميز ويعتبره عديم الأهلية لانعدام التمييز ثم القاصر ليس لسبب إلا لعدم قدرته على تدبير أموره فى المعاوضات ( افتراض فساد التدبير) يأتي المشرع للمجنون والمعتوه وبدلا من الركون إلى معيار عديم التمييز وجعله هو الأساس والمعيار يذكر الجنون والعته ولو استمر المشرع على نفس الخطة التى اعتبر بموجبها كل من هو دون السابعة عديم التمييز وكل من هو دون الثامنة عشرة فاسد التدبير فى المعاوضات والتبرعات دون تميز بين شخص وأخر فهو بذلك يضع معيارًا عاما يشمل كل من هم دون الثامنة عشرة فلماذا لا يضع المشرع معيارا عاما بعد سن الثامنة عشرة أو بعد سن الرشد بحيث يشمل الحكم كل من بلغ سن الرشد إذا توافرت به صفة معينة وما هي هذه الصفة لقد كانت على الدوام عدم التمييز أو فساد التدبير ولو فعلها المشرع لكانت خطة متناسقة موافقة لما بدأ به مع الصغير دون سن السابعة والقاصر دون سن الرشد ، المعيار الانتقائي بعد سن الرشد بذكر أمراض بعينها أدى إلى غموض المعايير وقصور الحالات عن تغطية جميع حالات عديم التمييز أو فساد التدبير .
إذن المعايير التى تحدد بناء عليها عوارض الأهلية يجب أن تكون معايير موضوعية حتى نتجنب المعيار الإنتقائى الذى يؤدى إلى الازدواج (لأن هناك حالات غير الجنون كالسكر كما رأينا ) المعايير الموضوعية هي أن نعمد إلى صفة عامة تجمع كل حالات انعدام التمييز وفساد التدبير لتوضيح جميع هذه المعايير الموضوعية نقترح نظاماً لعوارض الأهلية ليس غريبًا على ما فعله المشرع بل يستخدم هذا النظام المقترح نفس الأدوات التى يستخدمها المشرع على الدوام وهذه هو موضوع المطلب الثاني
المطلب الثاني
clip_image014

سنعمد إلى استخدام معيار موضوعي بالنسبة لحالة انعدام التمييز والمفترضة افتراضاً بالنسبة للطفل دون سن السابعة فيساوى فى المعاملة معه كل من ينعدم تمييزه بعد بلوغ سن الرشد أو سن التمييز لأي عارض من العوارض مع وضع قيد لإخراج حالات السكر التى يتخوف من أن يلجأ إليها المتعاقد ليطعن فى عقوده بعد إبرامها بناء عليها وهو السكر الذى يقدم عليه المتعاقد بإرادته بحيث ندخل على معيار عدم التمييز لعارض من العوارض قيداً وهو اشتراط ألا يكون الشخص عديم التمييز قاصداً الوصول بنفسه إلى حالة عدم التمييز .
وسنعمد إلى استخدام معيار موضوعي آخر بالنسبة لحالة فساد التدبير المفترضة فى القاصر الذى بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد فيساوى فى المعاملة مع كل من فسد تدبيره بعد بلوغ سن الرشد لأي عارض من العوارض مع وضع القيد الذى وضعناه بالنسبة لحالة السكر لأن السكر قد يفسد التدبير فقط دون إذهاب العقل .
يتضح مما ذكرنا أننا استبدلنا عوارض الأهلية ( الجنون والعته والسفه والغفلة ) بمعايير موضوعية حيث استبدلنا الجنون والعته بمعيار انعدام التمييز لأي عارض واستبدلنا السفه والغفلة بمعيار فساد التدبير واشترطنا لذلك شرط جوهري وهو ألا يكون الشخص قد قصد بنفسه الوصول إلى العارض الذى يعدم التمييز أو يفسد التدبير .
هذه المعايير الموضوعية المقترحة لا شك أنها تجعل نظام عوارض الأهلية أعم وأشمل حيث تجعل المجنون عديم الأهلية ومدمن المخدرات الذى وصل لحالة انعدام التمييز والسكر الشديد الذي يعدم التمييز شريطة ألا يكون الشخص قد قصد بنفسه الوصول لهذه الحالة اى سيء النية وهذه المعايير أيضا تجعل السفيه وذي الغفلة فى حكم القاصرين باعتبارهم من حالات فساد التدبير ، كذلك الأمراض العقلية التى تفسد التدبير دون إعدام العقل نهائيًا .
بهذا نكون قد انتهينا من هذه الدراسة الموجزة بينا من خلالها أوجه القصور والعجز الذى يصيب القوانين المدنية فى تنظيمها لعوارض الأهلية وبينا عدم شموليتها مقارنة بالنظام الإسلامي فعرضنا أولا لعوارض الأهلية فى النظام القانون المصري ثم لعوارض الأهلية فى القوانين المدنية مقارنة بأحكام الشريعة الإسلامية وحررنا موضع الخلاف وأوجه النقص فى النظم القانونية الوضعية حتى انتهينا إلى النظام المعياري المقترح .








clip_image015


لقد اتضح لنا جليا من خلال هذه الدراسة أن هناك سبباً فى قصور بعض الأنظمة القانونية فى تنظيمها لعوارض الأهلية وهو الإتكاء على النظم التقليدية القديمة دون بذل محاولات لإعادة النظر فيها فالجنون مثلًا عارض أهلية ولا يمكن إنكاره مثلاً وصحة كون الجنون كحالة عارض أهلية أدت إلى الإتكاء على ذلك قروناً طويلة دون بذل محاولة من قبل المشرع للاستغناء عن حالات فردية بعينها كعوارض أهلية بنظام معياري يسمح بتغطية حالات تستجد مع تقدم الزمان تؤدى إلى نفس نتيجة الجنون كمرض وما يماثله من الحالات التى تؤدى إلى انعدام التمييز وفساد التدبير.
ولقد ظهر لنا بجلاء أن الشريعة الإسلامية التى اعتبرت الجنون والعته والسفه والغفلة من قبيل عوارض الأهلية إلا أنها لم تتوقف عند ذلك فالشريعة كنظام قانوني والتي تميز الفقه فيها ببحث الحالات الفردية والحلول الوقتية أكثر من ميله لبناء النظريات لم يتردد الفقه فى اعتبار السكر والإغماء وغيرها عوارض أهلية وكان ذلك على خلاف القوانين المدنية.
كذلك تبين أن النظم القانونية تهتم أكبر كلما تعلق الأمر بمصلحة عامة فالحريات المهمة جدا عند المشرع والفقه استدعت التفكير فى موانع المسؤولية فى القانون الجنائي إذا اختل العقل وضعف الإرادة ولم يتوقف الفقه والقانون الجنائي عند اى نظم تقليدية فالجنون مانع مسؤولية ولكن هذا القانون لا يمانع من اعتبار السكر الذى ليس لصاحبه دخل فيه مانع مسؤولية أيضاً وكذلك من يخضع للتنويم المغناطيسي وكذلك من الأمراض النفسية التى كان لعلم الإجرام دوراً فى إبرازها .
ويظهر لنا بجلاء أيضا بأن الحريات والمصالح العامة استدعت وجود الجمعيات والمنظمات الدولية التى انبثق عنها المؤتمرات والأعمال الكبيرة فى سبيل تحقيق أهدافها وربما يختلف القانون الخاص من حيث التجديد وبعث روح التطور فيه بسبب عدم وجود مثل هذه الجمعيات والاهتمامات الدولية مما سيؤدى به إلى الجمود والتقوقع داخل دائرته التقليدية ولعل هذه الإشارة تكون بمثابة الدعوة لتعظيم شأن الجمعيات والمؤتمرات فى مجال القانون الخاص فحرى بنا أن نعمل أيضا على تطوير القانون الخاص كما هو الاهتمام بحقوق الإنسان والحريات العامة فهو لا يقل شأناً بل هو أكثر أهمية .
clip_image016
1. د : محسن عبد الحميد إبراهيم البيه ، المدخل للعلوم القانونية (نظرية الحق ) مكتبة الجلاء الجديدة المنصورة ؛ ط 1995
2. د : سليمان مرقس ، الوافي فى شرح القانون المدني ، الجزء الأول ، المدخل للعلوم القانونية ، ايرينى للطباعة مطبعة سلام ، ط 1987 / المستشار أنور طلبة ، الوسيط فى القانون المدني ، الجزء الأول ، دار نشر الثقافة ، ط 1987 .
3. د : عبد المنعم البدراوى ، مبادىء القانون ، ط 1985 .
4. الأستاذ مصطفى الزرقاء ، المدخل الفقهي العام ، الفقه الإسلامي فى ثوبه الجديد ، دار الفكر ، ط 1968 ، الجزء الثاني .
5. د : صبح محمصانى ، المبادىء الشرعية والقانونية فى الحجر والنفقات والمواريث والوصية ، دار العلم للملايين ؛ ط 5 .
6. د : عبد المجيد الحكيم ، الكافي فى شرح القانون المدني الأردني والقانون المدني العراقي والقانون المدني اليمنى فى الالتزامات والحقوق الشخصية ، الجزء الأول .
7. د : عبد الكريم زيدان ، الوجيز فى أصول الفقه ، مؤسسة قرطبة ط 1987 .
8. د : فوزية عبد الستار ، مبادىء علم الإجرام والعقاب ، دار النهضة العربية ، ط 1985.
9. د : محمود نجيب الحسيني شرح قانون العقوبات اللبناني ، دار النقرى للطباعة ؛ ط 1975
الفهرست

المبحث التمهيدي : المقصود بالأهلية وعوارضها
- المطلب الأول : عوارض الأهلية فى القانون المدني المصري. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..(4)
- الفرع الأول : الجنون والعته . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .(4)
- الفرع الثاني : السفه والغفلة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .(8)
- المطلب الثاني : دراسة مقارنة لعوارض الأهلية فى الفقه الإسلامي والقوانين المدنية
- الفرع الأول : العوارض السماوية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. .(13)
- الفرع الثاني : العوارض المكتسبة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . (18)
المبحث الأول : مدى كفاية النظام القانوني الحالي لعوارض الأهلية
- المطلب الأول : غموض معايير عوارض الأهلية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ...... . . (28)
- الفرع الأول : الجنون . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .(29)
- الفرع الثانى : العته . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . (30)
- الفرع الثالث : السفه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .... . . . . .(31)
- الفرع الرابع : الغفلة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . .. .(32)
- المطلب الثاني : قصور القوانين المدنية فى معالجة عوارض الأهلية مقارنة بأحكام الشريعة الإسلامية
- الفرع الأول : حالات الاتفاق بين الشريعة الإسلامية وفقهها والقوانين المدني . . ...(34)
- الفرع الثاني : حالات الاختلاف بين الشريعة الإسلامية وفقهها والقوانين المدنية...(36)
المبحث الثاني : منظور مستقبلي لنظام متكامل لعوارض الأهلية
- المطلب الأول : المعايير التي تحدد بناء عليها عوارض الأهلية . . . . . . . . . . . . . . . . .(39)
- المطلب الثاني : النظام المعياري المقترح . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . ... .(40)
الخـــــاتمة . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . .....(42)
أهم مصادر البحث . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . ... (43)

(1) إرشاد الانام لمعرفة الأحكام د / الخفناوى / 202 .
(2) الأستاذ مصطفى الزرقاء ؛ المدخل الفقهي العام ؛ الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد ؛ دار الفكر ط 1968؛ ص801 .
(3) المرجع السابق ص 801 ؛ 802 .
(4) فالعته مثلاً كعارض من عوارض الأهلية يعتبره القانون المصري سبباَ لانعدام التمييز ويساوى بين الصغير وغير المميز والمعتوه وكذلك المجنون (المادة 45 القانون المدني المصري : لا يكون أهلاً لمباشرة حقوقه المدنية من كان فاقد التميز لصغر سن أو عته أو جنون ) هذا يعنى أن المعتوه معدوم الأهلية في القانون المصري في حين أن القانون المدني الأردني يعتبر المعتوه في حكم الصغير المميز ويفرق بذلك بينه وبين المجنون بشكل واضح إذ يجعل المجنون في حكم الصغير غير المميز ( المادة 138القانون المدني الأردني : 1- المعتوه في حكم الصغير المميز ؛ 2- المجنون المطبق في حكم الصغير غير المميز ) واختلاف الحكم بين القانونين يدل دلالة واضحة على أن معيار اعتبار الشخص معتوها غير واضح بالنسبة للقانونين بالرغم من استعمال كل منهما نفس المصطلح للتعبير عن عارض الأهلية وهذا بحد ذاته مدعاه للتفكير في نظام عوارض الأهلية في القانون المقارن .
(1) يفرق فقهاء الشريعة الإسلامية بين الجنون المطبق الذي لا تتخلله فترات إفاقة وبين الجنون المتقطع الذي تتخلله فترات إفاقة فتبطل كل تصرفات الأول وتصح تصرفات الثاني إذا كانت بالطبع أثناء فترة الإفاقة أما القانون المدني المصري فلا يأخذ بهذه التفرقة .
(2) يفرق فقهاء الشريعة الإسلامية بين معتوه يكون إدراكه كالصبي المميز فيكون حكم تصرفاته حكم تصرفات هذا الأخير ومعتوه يكون إدراكه دون إدراك الصبي المميز فيكون حكمه حكم الصبي غير المميز والمجنون .
(3) عبد المنعم البدراوى ؛ مبادىء القانون ؛ 1975؛ بند 279من ص 398 .
(1) نقض مدني في 5 يناير سنة 1977 مجموعة أحكام النقض السنة 28 رقم 45؛ ص 189.
(2) انظر نفس المعنى نقض مدني في 19 يناير سنة 1971 مجموعة أحكام النقض ؛ السنة 22رقم 14 ؛ ص 71 ؛ حيث قضت محكمة النقض " بأن تقدر حـالة العته لدى أحد المتعاقدين هو مما يتعلق بفهم الواقع من الدعوى فلا تخضع لرقابة محكمة النقض متى كان استخلاصه في ذلك سـائغاً ".
(3) وما يؤكد هذه المساواة بين المجنون والمعتوه أنه لم يرد ذكر هذا الأخير بين ناقصي الأهلية الذين عددتهم المادة 46 مدني التي تقضى بأنه : لكل من بلغ سن الرشد وكان سفيها أو ذا غفلة يكون ناقص الأهلية .
(4) أنظر المادة 113 مدني .
(5) أنظر المواد 17 ؛ 19 ؛ 47 /1 من قانون الولاية على المال .
(1) وفى هذا تقرر محكمة النقض أن المادة 114مدنى قد " أقامت من قرار الحجر قرينة قانونية على انعدام أهلية المجنون والمعتوه ومن تسجيل ذلك القرار قرينة على علم الغير بذلك" نقض مدني في 19 يناير سنة 1972 مجموعة أحكام النقض السنة 22 رقم 14؛ ص 71 .
(2) انظر نقض مدني في 22 نوفمبر 1951مجموعة أحكام النقض الثالثة رقم 18؛ ص 93هذا الحكم خاضع للتقنين المدني القديم نقض مدني في 19ديسمبر 1949نفس المجموعة السنة الأولى رقم 43 ؛ ص 149 .
(3) نقض مدني في 11 نوفمبر 1965مجموعة أحكام النقض السنة 16 رقم 160؛ ص 1031وهذا ما أيدته محكمة النقض المصرية في قضية أخرى متعلقة بعته البائع نقض مدني 22نوفمبر 1951مجموعة أحكام النقض السنة الثالثة رقم 18ص 93 .
(4) نقض مدني في 15يونيه 1967؛ مجموعة أحكام النقض السنة 18 ؛ رقم 197؛ ص 1298.
(1) نقض مدني في 19 يناير 1971 ؛ مجموعة أحكام النقض السنة 22رقم 14؛ ص71.
(2) نقض مدني في 29ديسمبر 1949مجموعة أحكام النقض رقم 43؛ ص 149.
(3) نقض مدني في 27 أكتوبر 1938؛ مجموعة عمر2؛ رقم 138؛ص 41 .
(4) نقض مدني في 31أكتوبر سنة 1946؛ مجموعة عمر5 ؛ رقم 106؛ ص 238 .
(1) نقض مدني 20 يونيه 1957؛ مجموعة أحكام النقض ؛ مجموعة عمر8 ؛ رقم 69؛ ص 619 .
(2) الحكم السابق الإشارة إليه .
(3) جميل الشرقاوى ؛ دروس في أصول القانون ؛ الكتاب الثاني ؛ نظرية الحق ؛ 1970ص 156 .
(4) نقض مدني ؛ 20يونيه 1957؛ مجموعة أحكام النقض 8 رقم 69ص 619 .
(5) نقض مدني 23ديسمبر 1954؛ مجموعة أحكام النقض 6 رقم 49ص 386 .
(6) نقض مدني 9يناير 1958 مجموعة أحكام النقض 9رقم 6؛ ص 76 .
(1) نقض مدني في 7أبريل 1955مجموعة أحكام النقض 6 رقم 123ص 937 .
(2) نقض مدني فى3فبراير 1976مجموعة أحكام النقض السنة 27رقم 81ص 376 .
(3) انظر المادة 65من قانون الولاية على المال .
(1) ربما يرجع إغفال ذي الغفلة في نص المادة 116مدنى سهواً من المشرع أو إلى اتحاد حكم كل منهما فاكتفى بالنص فقط على أحدهما على أن يكون مفهوماً ضمناً امتداد الحكم للأخر .
(1) نقض مدني 11مايو سنة 1950 مجموعة أحكام النقض السنة الأولى رقم 123 ص 491 .
(2) نفض مدني 15فبراير سنة 1962 مجموعة أحكام النقض السنة 13 رقم 41 ص 268 .
(1) انظر في هذا المعنى : نقض مدني في 20 ابريل سنة 1971مجموعة أحكام النقض السنة 22رقم 78ص 506 .
(2) نقض مدني 11مايو سنة 1950 مجموعة أحكام النقض السنة الأولى رقم 123 ص 491 .
(1) "التوضيح" ج 2 ص 167 .
(2) الامتداد في الجنون لا حد له وإنما يختلف باختلاف العبادات فبالنسبة لصيام رمضان مثلاً : يكون الجنون ممتداً إذا استغرق الشهر كله و إلا فهو غير ممتد .
(3) هذا إذا كان الجنون غير الممتد طارئاً أما إذا كان أصلياً فكذلك عند البعض كأبي يوسف وليس بمسقط للعبادات عند البعض الأخر كالإمام محمد " التلويح على التوضيح" ج 2؛ ص 167.
(1) "شرح مرقاة الأصول" ج2 ص 439 .
(2) المادة 94مدنى عراقي " الصغير والمجنون والمعتوه محجورون لذاتهم " ؛ المادة 108" المجنون المطبق في حكم الصغير غير المميز أما المجنون غير المطبق فتصرفاته في حال إفاقته كتصرفات العاقل .
(3) المادة 45 من القانون المدني المصري : لا يكون أهلاً لمباشرة حقوقه المدنية من كان فاقد التمييز لصغر في السن أو عته أو جنون ؛ المادة 113 مدني مصري: المجنون والمعتوه وذو الغفلة والسفيه تحجر عليهم المحكمة وترفع الحجر عنهم ، ونصت المادة 114 على انه " لا يقع باطلاً تصرف المجنون والمعتوه إذا صدر التصرف بعد تسجيل قرار الحجر .
(4) " شرح الكنز" للزيلعى ج5 ص 101.
(1) المادة 49و107من القانون المدني العراقي : المعتوه هو في حكم الصغير المميز .
(2) المادة 978 من مجلة الأحكام العدلية .
(3) المواد 45، 113،114 من القانون المدني المصري وقد ذكرنا منطوقها في موضع سابق .
(4) " شرح مرقاة الوصول" ج2 ص 440 .
(5) " أصول " البزدوى وشرحه ج 4 ص 1396.
(6) " كشف الأسرار " ج4 ص 1382.
(7) "كشف الأسرار " ج4 ص 1398و 1400.
(1) "شرح المنار" ص 691-692 .
(2) "شرح المنار" ص 692 و " شرح مرقاة الوصول" ج 9 ص 446 ولا حجر على المريض فيما هو من ضروراته وحاجاته كالنفقة على نفسة وأجرة مداواته .
(3) مرض الموت : هو المرض الذي يكون به الإنسان عاجزاً عن القيام بمصالحه خارج البيت ويكون الغالب فيه موت المريض .
(4) " شرح مرقاة الوصول" ج 2 ص 446 – 447 ، و " التلويح على التوضيح " ج 2 ص 117.
(1) المادة 35: لا يقع طلاق الأشخاص الآتي بيانهم المريض في مرض الموت إذا مات في ذلك المرض وترثه زوجته .
(2) المادة 11 من قانون المواريث المصري رقم 77 لسنة 943 : تعتبر المطلقة بائناً في مرض الموت في حكم الزوجة إذا لم ترض بالطلاق ومات المطلق فى ذلك المرض وهى في عدتها .
(3) الحق والذمة لأستاذنا الشيخ على الخفيف ص 84- 95 ، المغنى ج 4 ص 385 و ج6 ص 442 .
(1) سورة الأنعام : آية 121.
(2) المطلقة ثلاثاً لا تحل لمطلقها إلا إذا نكحت زوجاً آخر ودخل بها ثم فارقها بطلاق وغيره ثم انقضت عدتها فتحل عند ذلك لزوجها الأول بأن يعقد عليها عقدا جديداً فشرط التحليل هو وطء الزوج الثاني أي دخوله بها وهذا ما قضت به السنة المشهورة وعليه إجماع الفقهاء .
(3) إذا عفا أحد ولى المقتول عن القصاص من القاتل ثم اقتص الولي الآخر من القاتل على ظن أن القصاص لكل واحد منهما على الكمال فلا قصاص عليه لأنه موضع اجتهاد " شرح مرقاة الوصول" ج 2 ص 452 .
(4) " شرح مرقاة الوصول" ج 2 ص 452 .
(1) " التلويح" ج 2 ص 184 – 185.
(2) المادة 63 من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937.
(1) " شرح مرقاة الوصول" ج2 ص 460 .
(2) " منهاج الصالحين" في فقه الجعفرية للإمام محسن الحكيم ، ج2 ص 182 و" الخلاف" للطوسي ج 2 ص 646و "سبل السلام" ج 3 ص 237.
(3) " سبل السلام " ج3 ص 237.
(4) " التلويح" ج 2 ص 195.
(5) " كشف الأسرار" ج4 ص 1477 .
(1) سورة التوبة : آية 65 .
(2) " الأشباه والنظائر" لابن نجيم ج 1 ص 35 .
(3) " شرح المنار" ص 988 .
(4) " شرح مرقاة الوصول" ج2 ص 458 .
(5) سورة النساء: آية 5 .
(6) سورة النساء : آية 6 .
(7) " المحلى " لابن حزم ج8 ؛ ص 286- 287 .
(8) " التلويح" ج 2 ص 191 .
(1) " المغنى " لابن قدامة الحنبلي ج4 ص 458 ؛ " أصول البزدوى وشرحه" ج4 ص 1492 .
(2) "أحكام القرآن" للحصاص ج 1 ص 489و " المحلى" ج8 ص 278 .
(3) سورة البقرة : آية 282 .
(1) سورة البقرة : آية 282 .
(2) المادة 95 من القانون المدني العراقي .
(3) المادة 127/11 مدني أردني .
(1) وعرف السكر بأنه معنى يزول به العقل عند مباشرة الأسباب المزيلة " كشف الأسرار " ج4 ص 1482.
(2) " زاد المعاد" ج2 ص 202-203 ، " إعلام الموقعين"ج4 ص 40-42 ، " المغنى" ج7 ص 113- 124 ، " المحلى" ج1 ص209-211 ، " الخلاف" للطوسي ج 2 ص 454 ، " المختصر النافع " في فقه الجعفرية ص 221 ، " مختصر" الطحاوى ص 280 ، " بدائع الصنائع " للكاسانى ج 3 ص 69 ، "كشف الأسرار " ج4 ص 1474وما بعدها .
(1) سورة النساء : آية 43 .
(2) حديث ماعز ، في أنه زنى وأقر عند الرسول عليه الصلاة والسلام ، فسأله الرسول أو استنكهه ليتأكد فيما إذا كان سكراناً أم لا . وهذا يدل على أن إقرار السكران غير معتبر .
(1) فقد نص قانون الأحوال الشخصية العراقي على عدم وقوع طلاق السكران ( المادة 35الفقرة الأولى من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 88 لسنة 959 ) وكذا القانون المصري رقم 35 لسنة 1929نص على عدم وقوع طلاق السكران بطريق محظور أو مباح .
(2) " التلويح " ج2 ص 196 .
(3) "كشف الأسرار" ج 4 ص 1503.
(1) "فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت" ج 1 ص 1666 و " أصول " البزدوى وشرحه كشف الأسرار ج4 ص1503- 1504 .
(1) مثال هذه الأمراض الجنون والعته ( المادة 45 من القانون المدني المصري ، المادة 128 مدني أردني ، المادة 47 مدني سوري ؛ المادة 45 مدني ليبي ، المادة 94مدنى عراقي) وقررت ذلك الشريعة الإسلامية صراحة في رواية أبى داود عن على كرم الله وجهه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ( رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق) .
(2) من هذه الحالات السفه والغفلة .
(3) المستشار أنور طلبة ، الوسيط في القانون المدني ، الجزء الأول ، دار نشر الثقافة ط 1987 ، ص 189.
(4) فالعته مثلاُ كعارض من عوارض الأهلية يعتبره القانون المصري كما سبق وذكرنا سبباً لانعدام التمييز ويساوى بين الصغير وغير المميز والمعتوه وكذلك المجنون( المادة 45 مدني مصري : لا يكون أهلا لمباشرة حقوقه المدنية من كان فاقد التميز لصغر سن أو عته أو جنون ) بمعنى أن المعتوه معدوم الأهلية في القانون المدني المصري بينما يعتبر القانون المدني الأردني المعتوه في حكم الصغير المميز ويفرق بذلك بينه وبين المجنون إذ يجعل المجنون في حكم الصغير غير المميز ( المادة 128 مدني أردني 1 : المعتوه في حكم الصغير المميز المجنون المطبق في حكم الصغير المميز ) واختلاف الحكم بين القانونين بالرغم من استعمال كلاً منهما لنفس المصطلح للتعبير عن عارض الأهلية وهو العته يدل دلالة واضحة على أن معيار اعتبار الشخص معتوهاً غير واضح بالنسبة للقانونين وهذا بحد ذاته مدعاة للتفكير في نظام عوارض الأهلية في القانون المقارن .
(5) أنظر الهامش رقم 2 ؛ 4 من هذه الصفحة .
(1) انظر الهامش رقم 4 من الصفحة السابقة .
(2) د : عبد المجيد الحكيم (الكافي في شرح القانون المدني الأردني والعراقي والقانون المدني اليمنى في الالتزامات والحقوق الشخصية ) .
(3) د : سليمان مرقس ، الوافي في شرح القانون المدني ، الجزء الأول ، المدخل للعلوم القانونية ايرينى للطباعة مطبعة سلام ط 1987 ص 765.
(4) د : عبد المنعم فرج الصده ، أصول القانون ، دار النهضة العربية ط 1978 ص 457 .
(5) د : أنور سلطان ، المبادىء القانونية العامة ، دار النهضة العربية ط 1974 ص 160 .
(6) د : عبد المنعم البدراوى ، مبادىء القانون ط1985 ص 397.
(7) الأستاذ مصطفى الزرقاء ، المدخل الفقهي العام ، الفقه الإسلامي فى ثوبه الجديد ، دار الفكر ط 1968 ، الجزء الثاني ص 801 .
(1) د : عبد المجيد الحكيم المرجع السابق ص 296 .
(2) د : سليمان مرقس ، المرجع السابق ص 768 .
(3) د : عبد المنعم البدراوى ، المرجع السابق ص 398 .
(4) الأستاذ مصطفى الزرقاء ، المرجع السابق ص 800 .
(5) كان هذا تعريف محكمة النقض للعته في حكم لها صدر في 5 / 1 / 1977 مجموعة أحكام النقض 28-189-145 .
(1) د : عبد المجيد الحكيم ، المرجع السابق ص 297 .
(2) المذكرات الإيضاحية لقانون الولاية على المال المصري نبذ (96) مشار إليها في د / سليمان مرقس ، المرجع السابق ص 800- 801 .
(3) د: أنور سلطان ، المرجع السابق ص 161.
(1) أنظر هامش رقم 2 من الصفحة السابقة .
(2) د: عبد المجيد الحكيم ، المرجع السابق ص 299 .
(3) د : سليمان مرقس ، المرجع السابق ص 771 .
(4) نقض مدني مصري 27 مارس 1974 ، مجموعة أحكام النقض 25- 593 – 95مشار إليه في دكتور سليمان مرقس المرجع السابق ص 771 .
(1) انظر الفرع الثالث من هذا المبحث .
(2) أنظر الفرع الثاني من هذه المبحث .
(1) د: صبح محمصانى : النظرية العامة ، المبادىء الشرعية والقانونية في الحجر والنفقات والمواريث والوصية دار العلم للملايين ط 5 ، ص 117- 120 وانظر الهامش رقم 1 ص 28 .
(2) انظر الهامش رقم واحد من هذه الصفحة .
(3) د: صبح محمصانى ، النظرية العامة للموجبات والعقود في الشريعة الإسلامية الجزء الأول : ص 272.
(1) د: صبح محمصانى النظرية العامة للموجبات والعقود ، المرجع السابق ص 370 .
(2) انظر الهامش رقم 3 من الصفحة السابقة .
(3) د: توفيق حسن الفرج ، المدخل للعلوم القانونية مطبعة عياتى الجديدة ص 1974 ، ص 420 .
(4) د : صبح محمصانى ، المرجع السابق ، ص 378 .
(5) المواد 375-386 القانون المدني الأردني ، المواد 249-264 القانون المدني المصري .
(6) الأستاذ : مصطفى الزرقاء ، المرجع السابق ص 8 .
(7) الدكتور منذر الفضل ، النظرية العامة للالتزامات فى القانون المدني الأردني مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع ط 1992 /ص 91 .
(8) المادة 1128 مدني أردني ، والمادة 477 مدني مصري .
(9) مصطفى الزرقاء ، المرجع السابق ، ص 8 .
(10) د : محمد يوسف الزغبى ، العقود المسماة ، شرح عقد البيع فى القانون الأردني ، ط 1993 ، ص 501 .
(1) د : محمد مصطفى شلبي ، أصول الفقه الإسلامي ، دار النهضة العربية ط 1974، ص 59 .
(2) المرجع السابق ، ص 59 .
(3) المرجع السابق .
(4) انظر الشرح صفحة 13 من هذه الدراسة فى معرض الحديث عن دراسة المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين المدنية .
(5) مصطفى الزرقاء ، المرجع السابق ، ص 799- 800 .
(6) المرجع السابق ، ص 802 .
(7) المرجع السابق ، صفحة 812 .
(1) مصطفى الزرقاء ، المرجع السابق ؛ ص 813 .
(2) المرجع السابق ص 813-814 .
(3) د : محمود نجيب الحسيني ، شرح قانون العقوبات اللبناني ط 1985 دار النقرى للطباعة .
(4) المرجع السابق ص 498 – 499 .
(5) المرجع السابق ، ص 499 .
(6) المرجع السابق ، ص 501 .
(7) المرجع السابق ص 487 .
(1) د : فوزية عبد الستار ، مبادىء علم الإجرام والعقاب ، دار النهضة العربية ، ط 1985 ، ص 142 .
(2) المرجع السابق ، ص 142 .
(3) المرجع السابق ، ص 142.
(1) هي صلاحية الشخص للتعبير عن إرادته بفعل يترتب عليه أثار قانونية ، د : توفيق حسن فرج ، المرجع السابق ، ص 646 .
(2) المرجع السابق ، ص 769- 770 .
(3) المواد ( 128مدنى أردني ، 45 مدني مصري ، 47 مدني سوري ، 45 مدني ليبي ، 94 مدني عراقي ، 978 مجلة الأحكام العدلية ) .
(4) المواد (44 مدني أردني ، 97 عراقي ، 45 مدني مصري ) .
(5) المواد (45 مدني اردنى ، 46 مدني مصري ، 97 عراقي ) .
(6) انظر الهامش رقم من هذه الصفحة .
(7) انظر الهامش رقم 3 من هذه الصفحة .
(8) نفس الهامش السابق .

0 التعليقات:

إرسال تعليق

سجل تعليقك على الموضوع فهو يهمنا